ليست رواية «الطواف حول النخلة» لخالد النصرالله نصاً يُقرأ بوصفه سيرة مكتملة الأركان، ولا رواية متخيلة خالصة، بل تقع في تلك المنطقة الرمادية الخصبة التي يتجاور فيها الاعتراف والتخييل، والذاكرة والابتكار. إنها كتابة تمارس المراوغة بوعي، وتستدرج القارئ إلى لعبة سردية لا تمنحه الطمأنينة، بل تُبقيه متيقظاً أمام ما يُكشف وما يُخفى، وما يُقال صراحة وما يُوارى خلف ستار الفن.

منذ الصفحات الأولى، يلمس القارئ أن الراوي لا يكتب حياته ببرودة المؤرخ، ولا بحرفية كاتب السيرة التقليدية، بل يعيد تشكيلها عبر بناء روائي مشغول بالتشويق، قائم على الصراع الداخلي، وعلى مفاجآت لا تُلقى دفعة واحدة، بل تُختزن وتُدار بإيقاع محسوب، يحفظ للنص توهجه، ويمنحه القدرة على الإدهاش وربما الصدمة أحياناً. فالرواية لا تبوح بكل شيء، لكنها لا تكذب، بل تنتقي لحظات الكشف بعناية، وتُخضع الحقيقة لمنطق الفن لا العكس.

في قلب هذا المتن السردي، تتشكل ملامح بطل تتفتح عبقريته مبكراً، طفل تشده القراءة كما تشد النخلة جذورها إلى عمق الأرض، وتفتح له الكتب باباً إلى عالم موازٍ، سرعان ما يتقاطع مع مصير آخر يشبهه في القلق والشغف. لقاء الصديق ليس تفصيلاً عابراً في الحكاية، بل لحظة تأسيس، يتشاركان فيها مواجهة الحياة، والانخراط في حراك ثقافي مشوب بالتهميش، وسط مشهد يبدو من الخارج متماسكاً، لكنه في جوهره مأزوم، متصارع، قاسٍ على أبنائه.

Ad

الرواية – في أحد وجوهها – تحكي سيرتين، أو بالأحرى صوتين يتناوبان الحضور: صوت كويتي تشكل في مجتمع له بنيته وقيمه ورؤاه، وصوت عراقي اقتُلع من أرضه، ودُفع إلى المنفى قسراً حفاظاً على حياته. هذا التباين الجغرافي والاجتماعي لا يتحول إلى قطيعة، بل يصير مادة سردية غنية، تمنح النص حركته، وتبعده عن النمط السيري المغلق، ليغدو نصاً متعدد الأصوات، تتقاطع فيه الاعترافات، وتتجاور الرؤى، وتُختبر الهوية في فضاء جديد.

يبرع الكاتب في رسم المكان بوصفه كائناً حياً، لا مجرد خلفية للأحداث. الكويت والعراق لا يظهران كأسماء أو جغرافيا، بل كذاكرتين مختلفتين، لكل منهما تاريخه وعمرانه وناسه وعاداته، ولكل منهما أثره العميق في تشكيل الشخصيات. ومن خلال هذا التوصيف الدقيق، يحافظ النص على خصوصية كل فضاء، دون أن يقع في فخ المقارنة المباشرة أو الأحكام الجاهزة.

الازدواجية التي يعيشها الراوي – أو الراويان – ليست ازدواجية مكان فحسب، بل ازدواجية وعي، وانقسام داخلي بين ما كان وما صار. تتبدى هذه الحالة بوضوح في تحولات الصوت السردي، وفي اختلاف مستويات الضمير، وفي الفجوة الزمنية بين الطفولة والبدايات الأولى وبين الفصول الأخيرة، حيث تتكثف التجربة، وتشتد قسوتها، سواء في السجن أو في المنفى، أو في محاولة بناء حياة جديدة فوق ركام الخسارات.

ولا يحتاج القارئ إلى كثير عناء ليشعر أن ما يقرأه ليس محض تخييل. فهناك صدقية طافحة بين السطور، حرارة التجربة، ومرارة الوقائع، تلك التي لا يمكن اصطناعها بسهولة. إننا أمام حكاية إنسان عاش ما يرويه، ذاق الألم، وجرّب الخيبة، وتقاسم مع صديق دروب الحياة الحلوة والمرة، وتوحّدت رؤاهما حول قيم ثقافية وإنسانية مشتركة. لذلك يبدو الصدق هنا عنصراً جمالياً لا أخلاقياً فحسب، يفرض نفسه على النص ويمنحه قوته.

تتشابك فصول الرواية مع تفاصيل الحياة الاجتماعية، ومع مراحل التكوين الأدبي، ومع ما كان يجري في الوسط الثقافي من صراعات وإقصاء وهامشية. ويبرهن الكاتب، من خلال هذه التفاصيل، على معرفة عميقة بالبيئتين اللتين كتب عنهما، وكأنه يكتب من الداخل لا من مسافة المراقب، وهو ما يمنح الرواية ملمسها الواقعي، ويبعدها عن الزيف والتصنع.

إن صدقية العمل الفني، حين تتحقق بهذا الشكل، تُفضي إلى نص ناضج، جاذب، قادر على استعادة ثقة القارئ بالأدب بوصفه مرآة للحياة لا قناعاً لها. فـ«الطواف حول النخلة» لا تزخرف الواقع، ولا تهادنه، بل تقدمه كما هو، بجراحه وانكساراته، وتدعونا إلى تأمله بعيداً عن الدجل والكذب اللذين شوّها كثيراً من صور حياتنا.

وفي الخلاصة، يمكن القول إن هذه الرواية تمثل سيرة فنية بامتياز، استطاعت أن تنتزع إعجاب القارئ وثقته، وأن تؤكد حاجتنا الملحة إلى مثل هذا النوع من الكتابة، القادر على ترميم الوعي الثقافي، وربط الأدب بالواقع دون أن يفقده جمالياته.

أما مؤلف الرواية، خالد النصرالله، فهو اسم أثبت حضوره في المشهد الثقافي العربي، ليس فقط كروائي، بل كناشر ومترجم وفاعل ثقافي. تمكن، عبر أعماله، من سبر أغوار النفس الإنسانية، وتقديم نصوص تتسم بالسلاسة والعمق معاً. وقد أثرى المكتبة العربية بعدد من الروايات والمجموعات القصصية، إلى جانب جهده في تأسيس وإدارة دور نشر متخصصة، واستقطاب أسماء عالمية للترجمة إلى العربية.

مسيرته الإبداعية، وجوائزه، وحضوره الثقافي، ليست سوى امتداد طبيعي لصوت روائي يعرف كيف يحوّل التجربة الشخصية إلى عمل فني، وكيف يجعل من الحياة – بكل تناقضاتها – مادة للكتابة الصادقة. وبهذا المعنى، فإن «الطواف حول النخلة» ليست مجرد رواية، بل شهادة إنسانية وفنية على زمن مضطرب، كُتبت بوعي، وصدق، وقدرة عالية على تحويل الألم إلى أدب.