لم يعد الصمت في البيت دليل سلام، كما لم يعد الحوار ضمان قُرب. بينهما نشأت فجوة اسمها الزمن، فجوة تتسلل بصمت إلى بيوتنا الحديثة، حيث يتجاور الجسدان، وتتباعد الروحان، ويغدو الحوار ضجيجاً بلا معنى، أو صمتاً مثقلاً بما لم يُقل، ولا منطقة آمنة بينهما.

ولأن كل شيء قابل لإعادة التشغيل... حتى نحن، فهذا الأسبوع نحن أمام أعمق تشابك إنساني: وشيجة الأبناء والآباء. نقف لحظة تأمل نمرِّر خلالها سجلات علاقتنا ونُسائلها: أهي سليمة فنبقيها؟ أم أنها تئن تحت وطأة السنين والأفهام المتباينة فنضغط زر ريستارت؟

لقد غادرت تلك الصورة التي تعلو فيها سدة الأب كالجبال الرواسي، وتحوطها الأم كالشمس التي لا تغيب. لم تعد الأبوة سُلطة مطلقة تعلنها نبرة الصوت أو صمت القرار، ولا البنوة طاعة عمياء تغذيها رهبة العقاب. بات هناك انزياح كامل في الجغرافيا العاطفية للأسرة. كان الاحترام مفهوماً ثابتاً للهيبة، قائماً على حاجزٍ من الخوف يُسمونه أدباً، ومسافة من الصمت يفسرونها تبجيلاً. أما اليوم، فقد تحوَّل الاحترام إلى مفهومٍ شائك، يتراوح بين حُرية التعبير وجرأة التصريح.

Ad

ولم يعد الخطاب الأسري يتكوَّن من أوامر تنزل من علياء السن والخبرة إلى سهل التنفيذ من دون اعتراض، بل تحوَّل إلى مساحة حوارية، يسقط فيها الابن القناع أحياناً فيُلام، ويخلع الأب رداء الهيبة أحياناً فيُستغل. ولم يأتِ هذا التحوُّل من فراغ، فقد هبَّت عواصف التكنولوجيا فقلبت الموازين، واختزلت المسافات فقربت البعيد وأبعدت القريب. لم يعد الوالدان مرجعاً وحيداً للحِكمة والمعرفة، بل تحوَّلا في عيون الجيل الجديد إلى بشرٍ يحملون همومهم وأخطاءهم، قابلين للنقاش والنقد، وربما للمُحاسبة أيضاً.

لكن هذا الانزياح عن نموذج السُّلطة التقليدي، رغم تحريره للأصوات، لم يخلق جسراً من الفهم، بل فجوة من سوء التقدير. فغياب الإنصات الحقيقي، وتراكم جراح صغيرة لم يعترف بها طرف ولم يرها الآخر، كل ذلك خلق مساحات شاسعة من الصقيع العاطفي تحت سقف البيت الواحد. فتحوَّل الاحترام من طاعة صمَّاء إلى تحدٍّ سافر، من دون أن يرسو على شاطئ التقدير المتبادل القائم على الاختلاف في الإطار والاتحاد في الأصل.

إن إنقاذ هذه الرابطة المصيرية يحتاج إلى إعادة تشغيل شجاعة، ريستارت لا يعني العودة إلى قيود الماضي، ولا الانزلاق إلى فوضى الحاضر، بل دعوة واعية لكتابة عقدٍ أُسري جديد، عقد يرتقي فيه الحوار من التوجيه الأُحادي إلى التبادل الثنائي، ويتحوَّل فيه الاحترام من خوفٍ صامت إلى تقديرٍ متبادل، ويُعاد تعريف القُرب بوصفه مشاركة وجدانية، لا مجرَّد وجود جسدي. لم تعد المعادلة ثنائية الآمر والمأمور، بل شراكة إنسانين في رحلة واحدة، أحدهما خبر الطريق، والآخر جاء بخريطة زمن مختلف.

فلنضغط زر الريستارت هذا الأسبوع، لا للعودة إلى ماضٍ لن يعود، بل لإحياء معنى القربى من رماده. لنجعل وعي هذا العصر جسراً لا حاجزاً، ولننصت بقلوبنا قبل آذاننا، ونتحدَّث بأرواحنا قبل ألسنتنا. فربما تكفي كلمة صادقة لتبني عالماً، أو نظرة حانية لتبدد سوء فهمٍ متراكم. فالعلاقات لا تموت بالخلاف، بل بالغياب، ولا تنتهي بالصراخ، بل بالصمت. إنها كنبتة القلب: إن أُهمِلت ذبلت، وإن اعتُني بها أزهرت عُمراً كاملاً.