عبّر إعلان وزارة المالية عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026-2027 عن مجموعة من المخاطر والاختلالات الحالية، فضلاً عما يمكن وصفه بـ «كرات ثلج» أو ألغام مستقبلية تبدو اليوم بعيدة نسبية، لكنها ستتحول في المستقبل القريب إلى واقع يزيد الضغط على الأوضاع المالية والاقتصادية للبلاد. فالملاحظ على مشروع الميزانية الجديدة أنها تحمل أرقاماً وبيانات لا تتناسب مع ما تتمتع به الحكومة الحالية من صلاحيات تشريعية وتنفيذية لم تتمتع بها أي حكومة سابقة منذ تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991 وتعاكس كل أدبيات الإصلاح المالي والاقتصادي التي تتردد في بيانات مجلس الوزراء الأسبوعية؛ كالترشيد والتوفير وتقليص المصروفات، علاوة على التنويع الاقتصادي وهي - أي الميزانية - تعبّر في شكلها المعتمد عن ضريبة غياب برنامج عمل حكومي أو خطة اقتصادية تحاول ترجمة الخطط إلى أهداف. 18 بالمئة فالعجز المقدّر في ميزانية العام المقبل يبلغ 9.75 مليارات دينار «ارتفع 54.7 في المئة مقارنة بالعام الماضي»، وهو عجز يمثل 18 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى في تاريخ البلاد، بل يتجاوز بـ 600 مليون دينار العجز المقدر خلال جائحة كورونا، التي شلّت تقريباً الاقتصاد العالمي، إذ بلغت المصروفات الإجمالية 26.1 مليار دينار بنسبة نمو 6.2 في المئة مقارنة مع العام الماضي.تكريس الاختلالكما أن المصروفات كرست جانباً لافتاً من اختلالات الإنفاق العام، إذ مثلت المصروفات الاستهلاكية، أي الرواتب والدعوم، 76 في المئة من إجمالي المصروفات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكاليف الرواتب وما في حكمها ارتفعت بواقع 5.2 في المئة لتبلغ 15.844 مليارا، في حين انخفضت كلفة مصاريف الدعوم بواقع 10.5 في المئة، لتصل إلى 3.936 مليارات، نتيجة لما قالت وزارة المالية إنه «انخفاض بمقدار 449.2 مليونا في دعم وقود تشغيل محطات ودعم منتجات مكررة، نتيجة لتراجع أسعار النفط عالمياً». فجوة التعادل والأساسثمة فجوة واسعة بين سعر التعادل في الميزانية الذي يعني «عدم تسجيل عجز ولا فائض» عند مستوى 90.5 دولاراً للبرميل مع سعر الأساس الذي بُنيت عليه افتراضات الميزانية «بعجز مقدر عند 9.75 مليارات دينار» الذي يبلغ 57 دولاراً للبرميل، وهنا نقف عند ما وصفته وزارة المالية بأنه توقّع متحفظ للإيرادات النفطية وسعر البرميل، وهو في حقيقته ليس متحفظاً أبداً، لكون سعر برميل نفط الكويت اقترب خلال الأشهر الماضية من 57 دولاراً أكثر من مرة، وتداول دون الـ 60 دولاراً لفترات متصلة، فضلا عن أن الهدف المعلن للرئيس الأميركي دونالد ترامب هو بلوغ برميل النفط عالمياً مستوى 50 دولاراً!التزام دوليربما تكون العلامة ذات الشكل الإيجابي في الميزانية هي ارتفاع الإيرادات غير النفطية التي قدّرت بـ 3.5 مليارات دينار، أي 21 في المئة من الإيرادات المفترضة في الميزانية، مدعومة بتحصيل الضريبة على الشركات المتعددة الجنسيات، وهو في حقيقته التزام دولي أكثر من كونه مبادرة إصلاحية حكومية، وتم إقرارها وفقاً لاشتراطات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على فئة الشركات المتعددة الجنسيات التي تتجاوز إيراداتها السنوية العالمية 750 مليون يورو، أو ما يعادلها، بالتالي لو لم تعتمدها الكويت، فإنها ستُجبى من دول أخرى، كما أن بيانات الإيرادات غير النفطية لم تحتوِ أي تفصيل عن آثار زيادة أسعار بعض الرسوم على الخدمات الحكومية.الإنفاق الرأسماليكذلك لا بُد من الوقوف عند ما أعلنته الميزانية من زيادة مصروفات الإنفاق الرأسمالي التي بلغت 3.1 مليارات دينار لتمثل 11.8 في المئة من الإنفاق المفترض في الميزانية، وحسب بيان وزارة المالية، فقد ارتفعت المصروفات الرأسمالية بواقع 826.2 مليونا، منها لوزارة الأشغال بمبلغ 318 مليونا (ميناء مبارك الكبير - توسعة محطة أم الهيمان - تنفيذ محطة كبد الشمالية - توسعة مطار الكويت مبنى الركاب 2) ووزارة الصحة لاستكمال مشروع مركز الكويت للسرطان، ووزارتي الدفاع والداخلية لشراء آلات ومعدات عسكرية».الخدمة والجودةومع تأكيد أن المصروفات العسكرية وبعض الخدمات، خصوصاً في القطاع الصحي، لا تمثل «استثماراً» للدولة، بقدر ما هي مصروفات خدمية وتغطية احتياجات الجهات الحكومية؛ فإن جودة الإنفاق على المشاريع المدرجة كميناء مبارك والمطار الجديد وغيرها مرتبط بمدى تحقيقها للأهداف التنموية كخلق فرص العمل، وإصلاح التركيبة السكانية، وتنويع ورفع القطاع الخاص، فضلاً عن العوائد المالية غير النفطية لخزينة الدولة، وليس فقط بما تم صرفه من أموال على المشاريع. الإنتاج والسدادبنظرة أشمل، يمكن رصد مجموعة من التحديات المستقبلية الظاهرة والمخفية في ميزانية الدولة 2026 - 2027، التي يمكن وصفها بكرات ثلج أو ألغام مستقبلية؛ أولها أنها لم تظهر تكلفة إنتاج برميل النفط الكويتي الذي ناهز العام الماضي 14.5 دولاراً لكل برميل عائد للميزانية (9.5 دولارات قبل 5 سنوات) ولم يعلن هذا العام، لكون التكلفة تقتطع من الإيرادات وتؤثر سلباً في تحصيلها، كذلك لم يفصل إعلان وزارة المالية عن تكلفة الخزينة العامة في سداد استحقاقات الدين العام، خصوصاً أن الكويت اقترضت خلال 11 شهراً ماضية 5.75 مليارات دينار من بنوك محلية وأجنبية، منها قرض محلي بقيمة 500 مليون يستحق السداد بتاريخ 24-06-2026، أي ضمن السنة المالية القادمة، كما ستحمل السنوات القادمة تكاليف سداد على ميزانية الدولة من الواجب تفصيلها، فضلاً عن بيان أوجه إنفاقها.التوظيف والبطالةاللافت أيضاً أن الميزانية الحالية رصدت 14518 وظيفة جديدة للسنة المالية القادمة، وهنا رقم يؤخذ بالمقارنة مع عدد الخريجين المتوقعين سنوياً الذي يراوح عادة بين 22 و23 أالف خريج؛ مما يعني أننا أمام مخاطر بطالة حقيقية بالتوازي مع بلوغ معدلات التوظيف الحكومي للعمالة الوطنية مستويات قياسية عند 85.5 في المئة، ومحدودية توفير القطاع الخاص لفرص عمل كبيرة، مما يطرح تساؤلات حول قدرة الدول على تلبية طلبات التوظيف المتصاعدة واحتمالية الدخول في مشكلة بطالة مستقبلية.التأمينات والتقاعدكذلك احتوت على ما يتطلب إيضاحه بصورة أكثر شفافية والمتعلق بما ورد في البيان «زيادة مساهمة الخزانة العامة في التأمينات الاجتماعية بمبلغ 741.2 مليون دينار المستحق على الخزانة العامة للدولة، وهي مبالغ تخص عجز الصناديق التأمينية»؛ مما يطرح تساؤلات تحتاج إلى إجابات مفصلة عن أوضاع صناديق مؤسسة التأمينات الاجتماعية وخطة الدولة لسداد عجوزاتها إن كانت أصولاً أو نقداً، ومدى تأثرها بحالات التقاعد التي شهدها القطاع العام خلال الفترة الماضية. معالجات غير تقليديةثمة كثير مما يمكن رصده عن الميزانية واختلالاتها، لكن الحديث الأهم يجب أن يكون عن الحلول الذي تتطلب معالجات غير تقليدية تتجاوز أفكاراً غير عملية، كالضغط على الصندوق السيادي الذي توقف تمويله بالاستقطاعات منذ نحو 8 سنوات أو تحميل المجتمع، خصوصاً الطبقة المتوسطة فاتورة العجز الملياري الذي هو بالأصل عجز إدارة عامة قبل أن يكون عجزاً مالياً.فأولى خطوات المعالجة أن تكون ميزانية الدولة من ضمن مشروع اقتصادي - ليس فقط بعقلية محاسبية - يتولى إصلاح سوق العمل عبر خلق الوظائف بالقطاع الخاص من خلال سياسات التوطين وإتاحة الفرص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة - لا محاربتها كما يحدث حالياً - بما يعظم الناتج المحلي الإجمالي كمّاً ونوعاً، وأن يوظف الإنفاق الاستثماري ليحقق أهداف المشروع الاقتصادي وتعاد هيكلة الدعومات وفق معايير حماية المجتمع لمصلحة الفئات الأقل دخلاً.واقع ووقتورغم الواقع السيئ والتحديات المستقبلية، علينا الاعتراف بأنه لا يزال ثمة وقت متاح، لكنه يتقلص سنة تلو الأخرى لاتخاذ إجراءات إصلاحية ضرورية، خصوصاً في ظل وجود مصدات مالية في الصندوق السيادي أو أسعار نفط مقبولة ومحدودية الدين العام نسبياً، فضلا عن عدم وجود أزمات في هيكل الاقتصاد؛ كالانفجار السكاني أو النقد الأجنبي، فإن كل ما نحتاجه هو إدارة حكومية على قدر من الكفاءة والمسؤولية تعترف بأنه من المستحيل مواجهة هذه التحديات من دون خطة اقتصادية أو برنامج عمل.
اقتصاد - تقارير وتحاليل
تقرير اقتصادي: الميزانية الجديدة... مخاطر حاضرة وكرات ثلج قادمة وألغام مستقبلية
11-02-2026