في بلدٍ هشّ، لا تُقاس الأدوار بحجم الشعارات، بل بقدرتها على منع الانهيار. هناك رجالٌ لا يعلون فوق الدولة، لكنهم يتحوَّلون، في لحظات الخطر، إلى ما يشبه المؤسسات، لأنهم يعرفون كيف يُمسكون التوازن حين تفلت الكفَّة، وكيف يُبقون الهيكل قائماً حين تتداعى أعمدته الأساسية.
في الدول المستقرة، تُدار الخلافات داخل المؤسسات، وتُحتوى الأزمات بقواعد واضحة. أما في الدول الهشَّة، حيث تختلط السياسة بالهواجس والتاريخ بالمخاوف، فإن الاستقرار لا يكون نتيجة فائض قوة، بل ثمرة توازن دقيق، يحفظ الحد الأدنى من الانسجام الوطني. في هذا السياق، لا يُقاس الدور السياسي بحدة الموقف فقط، بل بقدرته على منع الانزلاق، وإبقاء مساحات التواصل مفتوحة في لحظات التشنج القصوى، حين تبدو كل الأمور متأرجحة.
يبرز دور نبيه بري ووليد جنبلاط معاً كركائز للحفاظ على التوازن اللبناني، بعيداً عن الهيمنة أو الاصطفاف الصارخ. كلاهما يعرف متى يتقدَّم ومتى يتراجع، وكيف يحمي المبادرة أو يسمح للمسار بأن يسير، مما يجعل منهما «مؤسستين» تُضيفان ثقلاً على كفّة الاستقرار.
خلال فترة الوجود السوري، أظهر كل منهما قُدرةً على الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن السياسي، وفي أوقات النفوذ الحزبي العميق، نجحا في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، بعيداً عن المغامرات والانقسامات التي كان يمكن أن تهدد الاستقرار. واليوم، في ظل التحوُّلات المستمرة، يظل حضورهما مرتبطاً بقدرة الدولة على ضبط الانزلاق، وإدارة الاختلافات بطريقةٍ تمنع الانهيار، ويؤكدان أن السياسة ليست أداة صراع، بل فعل حماية، وأن الدولة تقوى بوجودهما، لا تضعف.
ويبرز دور بري وجنبلاط أيضاً في دعم المؤسسات العليا للدولة، لا كأطراف تتصارع معها، بل كعناصر توازن حقيقية تعزز قدرتها على الصمود.
كثير من المحللين يُخطئون حين يفسرون وجودهما على أنه ضغط أو منافسة، فيما الحقيقة أكثر دقة: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يحتاجان إلى هذا النوع من القادة، الذين يعرفون متى يرفعون الصوت ومتى يتراجعون، متى يحمي المبادرة ومتى يسمح للمسار بأن يسير. فالدولة تقوى بوجودهم، لا تضعف، لأنهم يُمسكون خيوط التوازن في اللحظات الحرجة، ويُحافظون على الحد الأدنى من الاستقرار، مما يجعلها قادرة على مواجهة الأزمات من دون الانزلاق نحو الفراغ أو الانهيار.
وختاماً، يظل اللبنانيون أمام حقيقة بسيطة لكنها عميقة: ليس كل مَنْ يحمل سُلطة أو منصباً هو مؤثر في الحفاظ على الوطن، لكن هناك رجالاً، بهدوئهم وحكمتهم وصبرهم، يحوِّلون هشاشة الدولة إلى فرصة لصمودها، ويثبتون أن الاستقرار لا يُبنى بالخطابات الصاخبة، بل بالقدرة على منع الانهيار حين تهتز الأرض تحت أقدام الجميع. هؤلاء الرجال، في صمتهم وعملهم اليومي، يبقون في ذاكرة كل مَنْ يعرف أن الحفاظ على لبنان، في أحلك اللحظات، هو فن لا يتقنه إلا القليل.