لم تكن فضيحة جزيرة إبستين مجرد جريمة أخلاقية داخل المجتمع الأميركي، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لنفاقٍ غربي متجذر. فالغرب الذي لا يتوقف عن مهاجمة دول الخليج والعالم الإسلامي في كل مناسبة، ويحوّل أي حادثة صغيرة لدينا إلى “قضية حقوق إنسان كبرى”، صمت لسنوات طويلة على واحدة من أبشع شبكات الاستغلال الجنسي في تاريخه المعاصر.
ما انكشف لم يكن انحراف فرد واحد، بل منظومة كاملة من السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير الذين مارسوا الجرائم تحت حماية النفوذ والمال. ومع ذلك لم نسمع الضجيج المعتاد: لم تصدر تقارير حقوق إنسان غاضبة، ولم تكتب الخارجية الأميركية بيانات شجب، ولم يتحرك الاتحاد الأوروبي كما يفعل عندما يتعلق الأمر بدولة عربية أو إسلامية. فجأة تبخرت خطابات الدفاع عن المرأة والطفل فالأخلاق في السياسة الغربية ليست مبدأً، بل أداة ضغط. عندما يقع حادث مروري في إحدى دول الخليج، أو مخالفة إدارية بسيطة، تتحول إلى عنوان عريض في الصحف الغربية يتحدث عن “انتهاك حقوق الإنسان”. أما عندما تقع جريمة كبرى داخل المنظومة الغربية نفسها، فإن الأمر يصبح “قضية فردية” يجب التعامل معها بهدوء وحذر. كم مرة تابعنا تقارير الخارجية الأميركية السنوية التي تهاجم مجتمعاتنا، وتتهم أنظمتنا ومؤسساتنا؟ وكم مرة قرأنا بيانات الاتحاد الأوروبي عن الحريات في دولنا؟ لكن أين كانت هذه المؤسسات عندما ظهرت وثائق إبستين؟ أين كانت منظمات حقوق الإنسان الدولية؟
الغرب يتعامل معنا دائماً بعقلية الأستاذ والتلميذ. يصنفنا كدول عالم ثالث تحتاج إلى دروس في الأخلاق والديموقراطية، بينما هو يغرق في فضائح أخلاقية وسياسية متلاحقة. يهاجم الإسلام في كل قضية، ويربطه بالتخلف، لكنه يتجاهل أن جرائم الاستغلال والاعتداء خرجت من قلب مجتمعه.
الأكثر استفزازاً أن إعلامهم الذي لا يرحم أي خطأ في منطقتنا، تعامل مع هذه الفضيحة ببرود مريب. أسماء كبيرة تم حمايتها، ومسارات تحقيق أُغلقت، وملفات أُخفيت. العدالة التي يطالبوننا بتطبيقها بصرامة، تحولت عندهم إلى عدالة انتقائية تحمي الأقوياء وتلاحق الضعفاء فقط. السؤال المشروع اليوم: كيف يجرؤ على محاسبة دول الخليج والعالم الإسلامي على كل تفصيلة صغيرة، بينما يفشل في محاسبة شبكات إجرامية داخل حدوده؟ ولماذا كل هذا الصمت الدولي عندما يكون الانتهاك صادراً عنهم؟ نحن لا ندّعي الكمال، ولدينا أخطاؤنا ومشكلاتنا، لكن الفارق أننا لا نقدّم أنفسنا أوصياء على أخلاق العالم. أما الغرب فقد بنى هيمنته المعنوية على ادعاء التفوق القيمي، ثم سقط في أول اختبار حقيقي.
فضيحة إبستين عرّت هذا الادعاء، وأثبتت أن كثيراً من تقارير حقوق الإنسان ليست سوى أوراق سياسية تُستخدم عند الحاجة. لقد حان الوقت أن نرفض هذا النفاق، وأن نتوقف عن استقبال الدروس ممن فشلوا أخلاقياً داخل بيوتهم. من اليوم فصاعداً يجب أن نسألهم في كل مرة يهاجمون دولنا: أين كنتم عندما انفجرت الفضيحة في قلب مجتمعكم؟
جزيرة إبستين ليست مجرد حادثة عابرة، بل دليل واضح على سقوط القناع الأخلاقي الغربي. ومن اليوم فصاعداً، لا يحق لمن صمت على تلك الجرائم أن يمنح نفسه دور القاضي على مجتمعاتنا.