تواصلت أعمال الندوة الرئيسية «من الإرث إلى الإبداع... الكويت ومسيرتها الثقافية العربية»، ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي في دورته الحادية والثلاثين، حيث عُقدت الجلسة الثانية بعنوان: «أصوات السرد في الأدب الكويتي». وشارك فيها الروائيان سعود السنعوسي وبثينة العيسى، وأدارتها مثايل الشمري في قاعة الثريا بفندق جي دبليو ماريوت، وسط حضورٍ لافت من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.

وتضمَّنت الجلسة عدداً من المحاور، التي طرحت فيها الشمري أسئلة عن عوالم الروائيين السنعوسي والعيسى الكتابية، وقد استهلت حديثها بسؤال العيسى: «هل تعتقدين أن الكاتب لديه مسؤولية تجاه الأجيال القادمة في تقديم أعمال تُسهم في تغيير أو تحسين الوضع الاجتماعي أو الثقافي؟ وما التحديات التي تُواجه الكاتب في السعي لتحقيق هذا الدور (المسلسل مثالاً)؟».

بدأت العيسى بتوجيه الشكر للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب على الدعوة الكريمة، متابعة: «إن ما نقوم به ككُتاب هو أكثر تواضعاً، لكنه لا يقل أهمية عن ذلك، وهو أن نقدم شهادة صادقة عن الواقع، نفككه، ونفكر بصوت عالٍ معاً، من خلال العمل الفني، والمسرح، والدراما، والأدب، وأُحب أن أتخيَّل نفسي ألعب هذا الدور الذي أكتبه، لكن مسألة أن أغيِّر الواقع أو أن أجعل الواقع أفضل، فلا أعتقد ذلك».

Ad

السندباد الأعمى 

وحول انتقال «السندباد الأعمى» من الأدب إلى التلفزيون، وإلى شريحةٍ أكبر، وهل تضاعفت المخاوف؟

أجابت العيسى: «المخاوف تضاعفت، لأن جمهور الشاشة مختلف، وجمهور الأدب مُدرَّب على دخول مناطق جدلية، وتبنِّي آراء غير شعبوية».

ولفتت إلى أن جمهور الشاشة لديه تراكم لكثير من الأعمال السابقة، مبينة أن «السندباد الأعمى» يتحرَّك في منطقةٍ رمادية تماماً، فالشخصيات في بعض الأحيان تتعاطف معهم، وفي أحيان تكرههم، فهم شخصيات غير قابلة أن تُوضع على رفٍ واحد، وبالتالي هناك تحدٍّ أكبر، وهو تقديم هذا النوع من الشخصيات، ومنها شخصيات مثل: نادية وهدى. 

وأضافت أن أشياء كثيرة كُتبت في الرواية، وتم حذفها في المسلسل، مُعلقة: «حاولنا أن نحافظ على الروح».

وسألت الشمري العيسى: «غالباً ما نجد الصوت السردي في رواياتك داخليا وحميما، كيف تصنعين هذه المسافة الدقيقة بين الراوي والشخصية؟». 

أجابت العيسى بأنها تتخيَّل نفسها مكان الشخصية، لافتة إلى أنها تحس الكتابة شكلاً من أشكال التقمُّص العاطفي، «الأدب هو التاريخ الذي لا يكتبه المنتصر، أو هو محاولة استنطاق الهوامش، هو التحدي والسرديات السائدة أو السرديات الرسمية بالأصوات الأخرى الأقل خفوتاً أو الأقل حظاً»، مبينةً أن هذا التمرين تُمارسه طول الوقت خارج الكتابة وفي الكتابة. 

من جانب آخر، أوضحت العيسى أن معظم أعمالها الأخيرة كتبت بالصوت الثالث، لافتة إلى أن الصوت الثالث لديه سُمعة سيئة في خلق حالة انفصال بين الشخصية والراوي، وبالنسبة لها الصوت الثالث حميمي أكثر من الأول.

وفي حديث الشمري مع السنعوسي، وجَّهت له مجموعة من الأسئلة، منها: «هل تعتقد أن الحكي في جوهره أداة لبناء المجتمع؟ وهل الكتابة بالنسبة لك وسيلة لبناء شيء جديد في الوعي الجمعي، أم مجرَّد رصدٍ وتوثيق؟».

وبدأ السنعوسي حديثه بتوجيه الشكر لـ «الوطني للثقافة» على دعوته الكريمة، متابعاً: «أنتهز هذه الفرصة لأجدد التعزية في الأستاذ الكبير عبدالعزيز السريّع، الذي كان أحد أعمدة المجلس الوطني».

بعدها أجاب بأنه مع فكرة الشق الثاني من السؤال، وهو المحافظة على الذاكرة الجمعية (الوعي الجمعي)، مبيناً أنه لا يؤمن بأنه يستطيع النزول إلى الشارع وتغييره برواية، وأن ذلك لم يحدث في تاريخ الرواية إلا في حالات نادرة جداً، لذلك لا يتصوَّر أن دوره هو التغيير، وليس مطلوباً منه ذلك، وإن كان بمقدوره التغيير، فإن ذلك يكون في نطاق حالات فردية نادرة.

وسألته: «بعد كل أنماط الساردين التي اشتغلت عليها في رواياتك، ما الصوت الذي تشعر بأنك لم تكتبه بعد؟».

أجاب السنعوسي بأنه اشتغل على كل أنماط الساردين، منها: الراوي العليم، والراوي الضمني، والمتكلم، والمخاطب. وأعطى نماذج من رواياته، ففي رواية «ناقة صالحة» استخدم تعدُّد الرواة، فكل شخصية تحكي حكايتها، وفي رواية «فئران أمي حصة» كان بين المتكلم وبين المخاطب في جزء كامل، وفي رواية «حمام الدار» كان الراوي عليماً. 

وسألته عن شكوكه حول اختيار صوت السارد المناسب، ليجيب بالنفي، لأنه لا يشتغل بشكلٍ مباشر قبل أن يختار السارد في العمل، فهو يحتاج إلى شهور طويلة، أو ربما سنوات، فالعمل يختمر ببطء، وتحتشد فيه الشخوص والموضوع وما إلى ذلك، لذلك الشكوك تكون قبل الكتابة، لكن بمجرَّد البدء في الكتابة يكون منطلقاً من أرضية يعرفها تماماً. 

وعلى هامش الجلسة، قال السنعوسي: «فكرة الحديث عن هواجسنا ما وراء الكتابة، وأدواتنا الكتابية، والموضوعات التي نختارها، والأدوات السردية، هذه بالنسبة لي منطقة جديدة تحرَّكت فيها الشمري بالجلسة».