انتشر على مواقع التواصل الأيام الماضية مقطع فيديو ذكي هدفه الرد على دعوات عنصرية انتشرت في ألمانيا، تدعو إلى طرد الأجانب من البلاد.
الفيديو تماهى مع هذه الدعوات بعرض الآثار السلبية لرحيل الأجانب لو تحققت بالفعل على القطاعات الصحية والخدمية والتعليمية والأمنية وغيرها بألمانيا، ففي كل مهنة عُرض مقطع عما سيخسره القطاع من عمالة لو رحل الأجانب بالفعل من البلاد، فالألمان الأصليون لن يغطوا 30 في المئة من الاحتياجات، وهو ما سيسبب فجوة في مستوى الخدمة والكفاءة المعتادة في البلاد، فكان هذا الفيديو بقدر ما هو مختصر إلا أنه يعطي رسالة بخطورة بعض المطالبات الشعبوية التي تأخذ شكل العنصرية، لكنها لا تفكر حتى بعواقب أو مخاطر النتائج.
في الكويت ربما نحتاج إلى مقاطع تصويرية عديدة لتفنيد الغباء الذي ينشره العنصريون في المجتمع، فنحتاج مثلاً إلى مقطع يبين الأثر السلبي على الأعمال والمهن والخدمات لو رحل الوافدون عن الكويت، أو ضيقت عليهم الظروف المعيشية والمالية، مع مقطع آخر يوضح أن أزمة الاختلال في التركيبة السكانية مصدرها متنفذون كويتيون يمارسون تجارة الإقامات بلا رادع قانوني.
بل إننا في خضم تعالي الأصوات العنصرية التي تروج لفكرة أن أعداد الكويتيين قد تضاعفت بصورة غير طبيعية خلال سنوات قليلة، نحتاج إلى مقاطع عديدة توضح مبادئ الرياضيات والإحصاء والاقتصاد لشرح فكرة بسيطة، وهي أن حساب معدلات النمو السكاني يتم بطريقة تراكمية سنة تلو الأخرى وصولاً إلى سنة الأساس، وليس بقياس سنة محددة على سنة الأساس.
ولو حسبنا النمو السكاني للكويتيين بشكل سليم خلال العقود الماضية فسيتبين أنه طبيعي، ولا يشير في أي من سنواته إلى انفلات عددي أو أرقام استثنائية «كالحراج المتداول بشأن 400 ألف أو 800 ألف مواطن لا يستحقون الجنسية الكويتية»، علماً أن النمو السكاني للكويتيين بات في السنوات الأخيرة يأخذ منحى متباطئاً (دون 2 في المئة) رغم سياسات الدولة في دعم الإنجاب، لاسيما التعليم المجاني والرعاية الصحية.
وقد نحتاج إلى مقاطع تصويرية مؤلمة لبيان ما لا يجب بيانه من استحالة أن يعيش الإنسان البدون تحت أسوأ الظروف الإنسانية والنفسية والمالية والصحية، والتي تؤدي بالبعض إلى الاستسلام للانتحار لأنه «خاش جنسيته الأصلية»، مع العلم أنه لم يظهر خلال أجيال عديدة من أظهر هذه الجنسية «المخشوشة» افتراضياً لتحاشي الحياة الصعبة المفروضة على البدون.
كذلك لا بد من مقاطع تصويرية وتوعوية تبين أن قيمة أي مجتمع في مدى قدرته على التطور واكتساب المهارات وجذب الخبرات واحتواء التنوع والتسامح مع الاختلاف، وليس في أقدميته أو فيما قدمه أجداده - وليس هو - في خدمة البلاد.
في ألمانيا كمثال وغيرها من الدول الغربية يكون الخطاب العنصري على مساوئه مرتبطاً بأرقام ونسب حول الهجرة والبطالة والبيئة والمنافسة التجارية، في المقابل لا نجد من الذين يتبنون الرأي العنصري سوى الأرقام المغلوطة أو تعبير عن نقص اجتماعي مؤسف يفرغ على صورة تنمر ضد فئات أخرى... والمضحك المبكي هنا أن بعض من يتحيز لخطاب العنصرية وفضائل «الأولين» ليس له ولا لعائلته أي فضل في تاريخ الكويت، وهذا ليس عيباً أو انتقاصاً كون العبرة فيما يقدمه الإنسان حاضراً ومستقبلاً لوطنه لا بما قدمه أجداده.
العنصرية وخطابها المتداول داء حقيقي يمزق المجتمعات ويعزز الانقسامات ويحرم الدولة من الكفاءات، ثم إن العنصرية متوالية الانقسامات، فهي لا تقف عند فئة حتى تنقل إلى فئة أو كيان أصغر، وهكذا حتى لا يرى العنصري أحداً جديراً بالأصالة والمواطنة إلا نفسه وفئته في أضيق نطاق.
لذلك فالعنصرية، سواء كانت ضد الوافدين أو البدون أو المواطنين، ما هي إلا سرطان يهدد المجتمع والأمن والاقتصاد... وعليه لا يوجد أغبى ممن يقول «نعم أنا عنصري في حب الكويت»، لأن العنصرية أصلاً مدمرة لأي بلد.