عالم شديد العتمة، من الصعب على أي منَّا أن يتجاهل بعض ما جاء في ملفات إبستين، ذات الثلاثة ملايين صفحة، وربما الأدق أنه يصعب على أي منَّا أن يتصوَّر هذا الحجم من الانحدار، بل السقوط على كل المستويات، السياسية، والاقتصادية، والأخلاقية.
نُدرك أن كثيراً مما ذُكر ما هو إلا جزء بسيط من قمة جبل الجليد الذي برز فجأة من قاع الأرض أو المحيط أو المستنقع المليء بقذارة الكون. ولا يستطيع أي منَّا أن يدَّعي أنه قادر على معرفة كل ما كان يدور في تلك الجزيرة، أو غيرها، من مؤامرات واتفاقيات وأعمال لا يمكن وصفها إلا بأنها من خيال علمي، خصوصاً أن سياستهم، أي مَنْ يدَّعون قيادة العالم، هي الحجب التام، أو الإغراق في التفاصيل والأوراق المليونية. لذلك، فلن نستطيع ادعاء معرفة حجم الانحدار، رغم أن ما أبرزته الصحافة حتى الآن يبدو كافياً ليشكك أي متابع في إنسانية هؤلاء كلهم، أي نجوم فضيحة إبستين!
وفيما نحن هنا نتابع استمرار حرب الإبادة في غزة وكل فلسطين، بل ولبنان وسورية واليمن، وفي الوقت الذي انتشر الرعب، ليصل إلى مياه الخليج الراكدة، خوفاً من حربٍ أميركية قادمة على إيران، الوجهة الجديدة لسلسلة من حروب «الكوبوي» الأميركي، الذي خاض أكثر من 17 حرباً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (كوريا، فيتنام، أفغانستان، العراق، سورية، اليمن، باكستان، الصومال، ليبيا، النيجر، مالي، تشاد، البوسنة، كوسوفو، غرينادا، وبنما)، وغيرها من أعمال، تشير بعض المصادر التحليلية إلى أن الولايات المتحدة قامت بما يقرب من 400 تدخل عسكري في أنحاء العالم منذ تأسيسها في عام 1776، أي قبل الحربين العالميتين بسنين طويلة.
ربما أكثر المشاهد وجعاً، هي تلك التي تظهر فيها وجوه بريئة لفتيات قاصرات، بل طفلات صغيرات يتحوَّلن فريسة في أيدي رجال السياسة والاقتصاد والفن والعلم، حتى الأكاديميون لم يسلموا من الانحدار في هذا المستنقع، إلا نادراً.
وجوههن البريئة تُشبه مرايا لعوالم سفلية، خلف ستار ما يُسمى بالعالم المتحضِّر، الديموقراطي، المدافع عن حقوق الإنسان. وعندما تتشدَّق الولايات المتحدة بأن عمل الأطفال في بعض المجالات خطرٌ عليهم، وتفرض قيودها على دول الجنوب باسم حماية الطفولة، نُدرك حجم النفاق والكذب الدولي.
أتذكَّر بشديد الوضوح في تسعينيات القرن الماضي، وما بعدها، عندما قامت أميركا باستخدام ملف عمل الأطفال كأداة ضغطٍ سياسي واقتصادي في علاقاتها مع دول العالم النامي، ومنها مصر. وعندما قدَّم عضو الكونغرس الأميركي توم هاركن مقترح قانون يحظر استيراد السلع المنتجة من قِبل أطفال، يبدو أن توم هاركن وآخرين في الإدارة الأميركية نسوا أو تناسوا أن استغلال الفتيات في الدعارة يُصنَّف على أنه من أسوأ أشكال عمل الأطفال، وفق المنظمات الدولية.
قضية إبستين ليست فضيحة جنسية فحسب، بل هي مرآة مكبَّرة لمنظومة كاملة قامت على الابتزاز، وشراء الصمت، وتحويل البشر إلى أدوات، والعدالة إلى سلعة. ما تكشفه هذه الملفات- مهما بدا صادماً- لا يمثل سوى جزءٍ يسير من شبكة معقدة تربط المال بالسياسة بالإعلام، حيث تُدار القرارات الكُبرى في غرفٍ مغلقة، فيما يُترك للرأي العام فتات الحقيقة.
الأخطر من الجريمة نفسها، هو ذلك الصمت الطويل، والتواطؤ المنهجي، والقدرة المذهلة على حماية المتورطين، لا لشيء سوى لأنهم ينتمون إلى طبقة «فوق المساءلة». رؤساء سابقون، وأمراء مال، ومشاهير، ورجال أعمال عابرون للقارات- جميعهم يتحرَّكون ضمن دائرة حصانة غير مكتوبة، تجعل الضحية مجرَّد رقم، والعدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمَّى.
وما يجمع بين جزيرة إبستين وغزة وبغداد وكابول هو العقلية ذاتها: عقلية الاستباحة، استباحة الجسد في الجزيرة، واستباحة الأرض وأهلها في فلسطين، واستباحة الحقيقة في الإعلام. كل ذلك يجري تحت شعارات الحُرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، فيما الواقع يقول إن الإنسان هو في ذيل أولوياتهم.
إبستين ونجوم فضيحته يطرحون سؤالاً في جوهر النظام الكوني للعدالة والأخلاق: أي عالم هذا الذي يسمح بمثل كل هذا الكم من الإجرام الممنهج في الطائرات الخاصة وفوق اليخوت الفارهة؟ وأين المُحاسبة لكل هذه الأسماء التي برزت وغيرها من المدفون في تفاصيل الأوراق المليونية، وغيرهم كثيرون؟ لأن إبستين، كما يبدو، لم يكن الاستثناء!
* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية