مع تزايد الطلب على السكن الخاص وارتفاع أسعار العقار بما يفوق قدرة غالبية الشباب والأسر على تأمين سكن مناسب، تُظهر الأرقام الرسمية حجم التحدي بوضوح، إذ تجاوزت طلبات الإسكان 105 آلاف طلب قائم، مرشحة لبلوغ نحو 197 ألفاً بحلول عام 2035.
وفي المقابل، تتحمل الدولة سنوياً ملايين الدنانير كبدلات إيجار للمواطنين، مما يحوّل الانتظار الإسكاني إلى كلفة اجتماعية ومالية مستمرة، ويضغط على الميزانية، دون معالجة جذرية للمشكلة.
تقف الكويت اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تشكيل نهجها الإسكاني عبر الشراكة، والتخطيط الحديث، والتمويل المتنوع، فلم يعد المطلوب مزيداً من الخطط بقدر الحاجة إلى مسارات تنفيذية واضحة، بجداول زمنية محددة، تنقل الملف من منطقة الترقب إلى ميدان الإنجاز القابل للقياس والمساءلة.
وقد برز التوجه نحو الشراكة مع القطاع الخاص كأحد أكثر المسارات واقعية لرفع وتيرة التنفيذ، إذ بدأت الدولة فعلياً في استقطاب شركات محلية وعالمية لتطوير مدن جديدة ضمن نطاق قانون المطور العقاري لعام 2023، وبنظام يتيح التشغيل لفترات طويلة وفق صيغة توازن بين كفاءة القطاع الخاص ورقابة الدولة. هذا النموذج، المطبّق في تجارب دولية متعددة، يخفف العبء الرأسمالي عن الدولة، ويسرّع البناء، ويرفع جودة المنتج النهائي.
وتُظهر التجارب المقارنة أن نجاح السياسات الإسكانية لا يرتبط بدور الدولة كمُشيِّد فقط، بل بقدرتها على تنظيم السوق وتحفيز فاعليه. ففي النمسا، تعتمد الدولة على جمعيات إسكان محدودة الربح تُنتج مساكن وفق مبدأ الإيجار على أساس الكلفة، وتعيد تدوير الفوائض في مشاريع جديدة، مما حافظ على مدد انتظار قصيرة، دون إنفاق حكومي مباشر واسع. وفي هولندا، تتولى هيئات إسكان اجتماعي مستقلة تمويل مشاريعها عبر الاقتراض الطويل الأجل بضمانات تنظيمية، مما جعل الدولة ضامناً للنظام لا ممولًا لكل وحدة.
كما اعتمدت المملكة المتحدة أدوات تخطيطية تلزم المطوّرين بتخصيص نسب من مشاريعهم للسكن الميسر، محوِّلةً جزءاً من إنتاج السوق نفسه إلى أداة لمعالجة الطلب.
أما في فرنسا، فقد أُنشئ نموذج تمويلي قائم على قروض طويلة الأجل مدعومة بمدّخرات منظمة، مما وفّر استقراراً مالياً واستمرارية في الإنتاج السكني.
وفي الكويت، تعكس المشاريع الإسكانية الجديدة تحولاً نحو نموذج المدينة المتكاملة، متجاوزة منطق القسائم إلى تخطيط عمراني قائم على بنية تحتية متطورة، ومرافق تعليمية وصحية، ومساحات خضراء، وخدمات تجارية. وهنا تبرز مشاريع مثل المطلاع والخيران و»نواف الأحمد» والصابرية بطاقة استيعابية تتجاوز 185 ألف وحدة سكنية.
وعلى صعيد التمويل، يفتح تطوير نظام الرهن العقاري المنضبط أفقاً أكثر استدامة، عبر إشراك القطاع المصرفي في التمويل الطويل الأجل، وربط التملك بالقدرة الواقعية على السداد، بما يعيد توزيع الأدوار بين الدولة والسوق، ويحد من تراكم قوائم الانتظار دون المساس بالبعد الاجتماعي للإسكان.
ومع تعدُّد الأدوات وتنوّع الخيارات، يظل التنفيذ هو الفيصل الحقيقي. فالإسكان لا يُقاس بعدد الوعود أو الخطط، بل بالقدرة على تحويلها إلى عقود تُنفّذ، ووحدات تُسلَّم، وجداول زمنية تُحترم. هنا فقط يمكن للملف الإسكاني أن ينتقل من قضية مزمنة إلى قصة نجاح وطنية يلمسها المواطن في حياته اليومية.