قد يبدو الفائض التجاري المسجَّل في عام 2024 مؤشراً مطمئناً للوهلة الأولى، إلا أن الاكتفاء بقراءة هذا الرقم خارج سياقه الهيكلي يُعد خطأً تحليلياً مكلفاً. فاقتصاد ترتفع فيه الواردات بوتيرةٍ متسارعة، ويتضخم فيه الاستهلاك العام والخاص، ويعتمد في فائضه التجاري على سلعةٍ واحدة، هو اقتصاد يواجه اختباراً حقيقياً لجدية إصلاحه الاقتصادي، مهما بدت المؤشرات الكُلية إيجابية.

تشير البيانات إلى أن الواردات بلغت نحو 38 مليار دولار، مقابل صادرات تقارب 76 مليار دولار، ما أفضى إلى فائض تجاري بحدود 38 مليار دولار، غير أن أكثر من 90 في المئة منها صادرات نفطية، ما يعني أن هذا الفائض ليس انعكاساً لقوة إنتاجية أو تنويع اقتصادي، بل نتيجة ظرفية لأسعار النفط ومستويات الإنتاج. وعليه، فإن ميزاناً تجارياً بهذه البنية يظل شديد الهشاشة، ومعرَّضاً للاختلال عند أول تراجع في أسواق النفط.

المقلق في هذا السياق، ليس حجم الواردات بحد ذاته، بل طبيعة ما يغذيها. فالنمو القوي في الاستهلاك، المدفوع بالإنفاق العام، والدعومات، والائتمان الاستهلاكي، لا يُقابله نمو إنتاجي حقيقي. ففي الاقتصادات الإنتاجية، يتحوَّل الاستهلاك إلى محرك للنمو. أما في الاقتصاد الريعي، فإنه يتحوَّل إلى قناة استنزاف، يُعاد عبرها تدوير الإيرادات النفطية إلى الخارج، بدل توظيفها داخل الاقتصاد الوطني.

Ad

وتُظهر تركيبة الواردات هيمنة واضحة للسلع الاستهلاكية والوسيطة، ما يعكس اعتماداً واسعاً على الخارج لتلبية احتياجات السوق المحلي، ويجعل الاقتصاد عُرضة للتقلبات العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وموجات التضخم المستورد. هذا النمط لا يمكن فصله عن ضعف القاعدة الإنتاجية، ومحدودية مساهمة الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف طال أمده من دون معالجة جذرية.

هنا يُصبح الحديث عن الإصلاح الاقتصادي حديثاً عن الجوهر، لا عن الهامش. فالإصلاح لا يُختزل في ضبط إنفاق أو إعادة ترتيب أرقام الموازنة، بل يبدأ بإعادة توجيه النموذج الاقتصادي نفسه. واستمرار منظومة الدعم واسع النطاق للطاقة والمياه والسلع، رغم ما تحققه من رفاه اجتماعي آني، يظل أحد أهم محفزات الاستهلاك المفرط والهدر، ويؤخر تصحيح التشوهات السعرية اللازمة لأي إصلاحٍ جاد.

ولا يعني ذلك رفع الدعم بصورةٍ فجائية، بل الانتقال إلى نموذج دعم ذكي ومباشر يستهدف الفئات المستحقة عبر التعويض النقدي، مع تسعير الخدمات وفق تكلفتها الحقيقية. هذا التحوُّل ليس إجراءً مالياً فقط، بل خطوة إصلاحية تُعيد ضبط العلاقة بين الاستهلاك والإنتاج، وتحد من نزيف الموارد.

إن السيطرة على تضخم الواردات لا يمكن أن تتحقق عبر قيود إدارية أو حلول مؤقتة، بل عبر استراتيجية إنتاجية واضحة، سياسة صناعية فاعلة، ودعم جاد للزراعة، وبرامج إحلال إنتاج محلي، وتحسين حقيقي لمناخ الاستثمار من حيث الإجراءات والتمويل وإدارة المناطق الصناعية. ففاتورة واردات تتجاوز 38 مليار دولار سنوياً ليست عبئاً فقط، بل هي مؤشر على فرص إنتاجية ضائعة.

والأخطر من تضخم الواردات ذاته، هو كُلفة تأجيل الإصلاح. فكل عام يُؤجَّل فيه التحوُّل نحو اقتصادٍ إنتاجي، تتعمَّق الاختلالات، وتتوسع فجوة الاعتماد على الخارج، وتزداد حساسية الاقتصاد للصدمات. وعندها يُصبح الإصلاح أكثر كُلفة، وأضيق هامشاً. 

من هنا، فإن الفائض التجاري النفطي ينبغي ألا يكون مبرراً للاطمئنان، بل حافزاً لتسريع الإصلاح. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بجميل الأرقام، بل بقدرته على تغيير بنية الاقتصاد، وضمان استدامته.