خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفي أحد اللقاءات العائلية طرح عليّ قريبي العزيز أسامة دشتي سؤالاً يظنه الكثيرون بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل الكثير من التفاصيل، هل الذكاء صفة نرثها أم قدرة نكتسبها؟ سؤال يتردد اجتماعياً كما يتردد في أروقة البحث العلمي، لأنه يمس جوهر فهمنا لما يشكّل عقولنا ويحدد إمكاناتنا. علمياً، لم يعد الجدل اليوم يدور حول «إما هذا أو ذاك». الذكاء ليس صفة تورَّث كاملة من الوالدين، ولا مهارة تُكتسب بالكامل من المدرسة والبيئة. بل هو نتاج تفاعل معقد بين الجينات التي نحملها، والبيئة التي نعيش فيها، والتجارب التي نمر بها منذ الطفولة وحتى مراحل متقدمة من العمر.
الدراسات الوراثية، خصوصاً تلك التي شملت التوائم، أظهرت أن للجينات دوراً مهماً في تحديد الاستعداد العقلي، وقدّرت أن العامل الوراثي يساهم بنحو 40 إلى 60% من الفروقات الفردية في الذكاء. لكن هذه النسبة لا تعني الحتمية، بل تعني القابلية وهذه نقطة مهمة جداً. الجينات، ببساطة، تضع الإطار العام: سرعة معالجة المعلومات، الذاكرة، بعض القدرات التحليلية. لكنها لا تكتب القصة كاملة. هنا يأتي دور البيئة. نوعية التعليم، التحفيز في الطفولة، التغذية، الصحة العامة، وحتى الاستقرار النفسي، كلها عوامل قادرة على رفع هذا الاستعداد أو إضعافه.
طفل يولد باستعداد عقلي مرتفع، لكنه ينشأ في بيئة فقيرة معرفياً قد لا يحقق جزءاً كبيراً من إمكاناته، بينما طفل آخر باستعداد متوسط، لكنه يعيش في بيئة محفزة، قد يتفوق أكاديمياً ومهنياً. الأهم من ذلك أن الذكاء ليس مفهوماً واحداً جامداً. العلم الحديث يتحدث عن أنماط متعددة من الذكاء: لغوي، منطقي، اجتماعي، عاطفي، وحتى إبداعي. بعض هذه الأنماط يتأثر بالوراثة أكثر، وبعضها الآخر يتشكل بقوة من خلال التجربة والخبرة. الذكاء العاطفي مثلاً، وهو القدرة على فهم الذات والآخرين وإدارة المشاعر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنشئة الاجتماعية والتجارب الحياتية أكثر من ارتباطه بالجينات.
من واقع خبرتي العلمية، أستطيع القول إن أخطر ما نفعله هو اختزال الذكاء في رقم أو اعتباره قدراً ثابتاً. الدماغ عضو مرن، يتغير ويتكيف، وتتشكل وصلاته العصبية مع التعلم والممارسة. هذا ما نسميه «المرونة العصبية»، وهي حقيقة علمية تؤكد أن التعلم المستمر قادر على تحسين الأداء العقلي في مختلف الأعمار، لذلك حين سألني أسامة (بوهاجر) إن كان الذكاء مورثاً أم مكتسباً، كان جوابي ببساطة: الاثنان معاً، لكن الأهم هو ما نفعله بما نملكه.
الجينات قد تمنحنا بداية مختلفة، لكنها لا تحدد إلى أين سنصل. العقل يولد بقابلية، ثم تكبر هذه القابلية أو تذبل حسب البيئة، والتعليم، والتجربة، والاجتهاد. ولهذا، فإن تقدم المجتمعات لا يقوم على البحث عن الأذكى بالفطرة، بل على توفير بيئة تشجع التفكير، وتحفّز التعلم، وتمنح كل عقل فرصة أن يقدم أفضل ما لديه.