التغيير حدث خارجي، يُصيب مُحيطنا كزلزالٍ يهزنا من الداخل، فيُحدث تأثيراً. فكل تغيير، مهما بدا بسيطاً، يصيب نفوسنا بشيءٍ من الخوف بسبب المجهول، فنتقوقع داخل كهف المألوف، حيث الأمان- وإن كان وهماً- لأنه يُصيبنا بارتياح.
قد يفسِّر البعض مقاومة التغيير على أنها عناد أو رفض متعمَّد، لكنها قد تكون وسيلة دفاع نفسية يحاول الفرد من خلالها حماية نفسه بها من فقدان السيطرة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى الأنماط التي اعتاد عليها، وإلى الطُّرق والوسائل التي جرَّبها، لأن المألوف يمنحه شعوراً بالأُلفة والقدرة على التنبؤ، فيما التغيير يضعه أمام احتمالات غامضة لا يعرف نهايتها.
إن مقاومة التغيير نجدها على مستوى الفرد والمؤسسات والمجتمعات كافة. فعلى صعيد العمل، قد يرفض الموظف نظاماً مستحدثاً، أو مسؤولاً جديداً، أو حتى مقراً مختلفاً للعمل. وعلى صعيد الأسرة، نجد بعض الأفراد يترددون في تبني أسلوبٍ مختلف في التربية أو تغيير محل السَّكن. كما هو الحال في المجتمع، الذي نراه يخشى بعض الأفكار الحديثة والتطبيقات الجديدة.
لكن، إذا ما نظرنا للأمر بشكلٍ علمي، فمقاومة التغيير ترتبط بعدة عوامل نفسية وسلوكية، منها على سبيل المثال؛ الخوف من الفشل، والقلق من الفقدان، ونقص المعلومات، وضعف الثقة، سواء بالقيادة أو بالذات. فتزداد مقاومة الفرد كلما شعر بأن التغيير مفروض عليه من دون توضيح أو فهم أو شفافية أو مشاركة. وأحياناً بعد مرحلة التغيير، تبقى الرؤية غير واضحة ومضللة، فيغدو المجهول أكثر رُعباً من الواقع القاتم.
لكن يجب علينا أن نعلم أن التغيير، في حقيقته، ليس خصماً للفرد، بل هو أحد شروط بقائه وتطوره. فحياتنا كما الفصول الأربعة، قائمة على التغيُّر؛ فالأجساد تنمو، والأفكار تتطوَّر، والطبائع تتغيَّر. فالتغلب على مقاومة التغيير يبدأ من الفهم. عندما يفهم الفرد فينا لماذا يحدث التغيير، وكيف سيؤثر عليه، وما الفوائد المتوقعة منه، تبدأ مقاومته في التراجع. فهنا يجب التركيز على أن المعرفة تطمئن القلق، وتقلل من مساحة الغموض التي تغذي الخوف.
من ناحية أخرى، حين يشعر الفرد بأنه جزء من عملية المشاركة والتغيير، وأن رأيه مسموع، يتحوَّل من مقاومٍ إلى مساهم.
ورغم كل هذا، لا يمكن إغفال دور الدعم النفسي والتدريب. فحين يُدرب الفرد على استخدام وتوظيف الأدوات والمهارات اللازمة، يتحوَّل الخوف الأسود إلى ثقةٍ ساطعة، ويتبدَّل التردُّد، ليحل محله الإقدام والاستعداد، إضافة إلى أن الخطوات التدريجية في التغيير تكون أكثر قبولاً على النَّفس من اللحظات المفاجئة. فالعقل البشري يتقبَّل التغيير عندما يمرُّ بمراحل تساعده على الصعود والتكيُّف وإعادة التوازن.
لنكن على ثقة، إن التغيير ليس عدواً للنجاح، بل أداة ووسيلة لبلوغ قِمة أعلى، والنظر للأمور من منظور مختلف. فلنمنح أنفسنا شجاعة الخطوة الأولى، ولنعبر من أبواب قد توسِّع مداركنا وأُفق تفكيرنا.