القانون الذي لا يمكن تطبيقه سيكون عاجزاً دائماً أمام مبدأ القوة، وهذا هو الفرق بين القوانين الداخلية والقوانين الدولية، فالدولة تملك السُّلطة لتنفيذ القوانين على أرضها، لكن لا يوجد سُلطة شاملة يمكنها القيام بالمثل حول العالم، بحيث تقوم بتنفيذ القانون على أي دولةٍ تُخالف الشرعية الدولية. والواقع يشير إلى أن الدول القوية منيعة أمام القوانين الدولية. أما الدول الضعيفة، فإن القانون الدولي لا يوفر حماية تُذكر لها.
بالطبع توجد جهات دولية، مثل مجلس الأمن- التابع للأمم المتحدة، لكنه لا يملك أي قوة تنفيذية، ويخضع لحق النقض الذي يتمتع به أعضاؤه الدائمون، مثل روسيا مثلاً عندما نقضت القرار الذي يُدين اجتياحها لأوكرانيا.
من ناحيةٍ أخرى، فرض العقوبات على الدول قد يفشل لأن دولاً صديقة ستقوم بتقديم الدعم للدول المستهدفة عبر شبكات وهمية أو بدائل تجارية. وبالتالي، فإن العقوبات لا تأتي بالنتائج المرجوة، بل تُسهم بدفع هذه الدول إلى أحضان الدول المنافسة. وفي بعض الأحيان يستحيل فرض عقوبات، بسبب صعوبة إلحاق الضرر بهذه الدول، أو بسبب المصالح والمكاسب الاقتصادية والسياسية المتحققة منها. إضافة إلى ذلك، من الممكن أن تقوم دولةٌ ما بفرض عقوبات على دولةٍ أخرى تستطيع أن تؤذيها أيضاً في المقابل، مثلما حصل في ألمانيا، وقد حرمت نفسها من إمدادات الغاز الروسي، وبالتالي كأنها فرضت العقوبات على نفسها.
الدول القوية لا يحميها القانون الدولي، بل القوة والنفوذ، فبعد انتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية، تمَّت محاكمة القادة الألمان واليابانيين في المحاكم الدولية على جرائم حرب، لكن لم يتم إنشاء محاكم مشابهة لمحاكمة دول الحلفاء على جرائمهم، مثل قصف طوكيو، الذي قتل حوالي 100 ألف مدني في يومٍ واحد. وقد صرَّح قائد القوات الجوية الأميركية كورتيس لوماي: «لو كُنا خسرنا الحرب، لتمَّت محاكمتنا جميعاً، باعتبارنا مجرمي حرب».
التاريخ يكتبه المنتصر، وكذلك القانون، وصاحب القدرة سيلجأ للقوة، لكن ماذا عن الضعيف؟ خصوصاً أن معظم الدول ليست من الدول القوية، فإذا كانت لا تتمتع بالقوة، فعلى الأقل يجب أن تتمتع بالنفوذ والتأثير، فلماذا لم يتم مثلاً الهجوم على سويسرا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، رغم موقعها الجغرافي في قلب المعركة؟ والسبب ليس فقط لأنها على الحياد، بل لأن سويسرا لطالما كانت الحارس لأموال وأسرار أصحاب النفوذ، وبالتالي لا يمكن أن يُخاطروا بسلامة سويسرا، حرصاً على مصالحهم، وبالتالي تمكَّنت هذه الدولة الصغيرة من الصمود.
إذا كان تطبيق القانون لا يقوم على القانون نفسه، ولكن على فرض النفوذ وعلى اعتبارات استراتيجية، فإن القانون ليس له أي وزنٍ يُذكر، فالعالم لا يقوم على مَنْ يلتزم بالقانون على النحو الأمثل، بل على مفهوم القوة والنفوذ، ومَنْ يملك السُّلطة هو الذي يوجِّه دفَّة القانون.
هذا هو مبدأ القوة في العلاقات الدولية، حيث يفرض الأقوياء إرادتهم، ويضطر الضعفاء إلى الخضوع، كما جاء في حوار ثوقيديدس الشهير عن حصار ميليوس «الحق لا يكون إلا بين متساويين في القوة. أما القوي، فيفعل ما يحلو له، والضعيف يرضخ كما يجب عليه».