​بعض الناس حين يرحلون لا يطفئون ضوءاً واحداً، بل يغيرون شكل العتمة في قلوب من عرفوهم. هكذا بدا لي خبر رحيل المربي الفاضل د. عبدالله إسماعيل الكندري، لم يكن اسماً يمر في الأخبار فقط، بل رجل قابلته وعرفت أبناءه وأبناء أخيه وأخواته، فرأيت في وجوههم امتداداً هادئاً لأخلاقه.

​من يعرف تاريخ التعليم في الكويت يعرف أن عبدالله إسماعيل الكندري لم يكن وجهاً عابراً، فقد تولى رئاسة جمعية المعلمين الكويتية في زمن كانت به قضايا المعلم والتعليم في قلب النقاش العام، وحمل هم المهنة في المحافل الرسمية، من ندوات محلية إلى تمثيل الكويت في لقاءات تربوية دولية. كان من النوع الذي يفضّل أن تُعرَف قناعاته من مواقفه لا من شعاراته.

​والبحوث الدولية الحديثة تذكّرنا أن وجود معلّمٍ واحدٍ حاضرٍ بصدق يمكن أن يترك أثراً يتجاوز حدود الصف، تقارير ومنشورات تربوية صادرة عن منظمات مثل OECD في الأعوام 2021–2025 تؤكد أن ما يفعله المعلم في صفّه، وطريقة دعمه لعلاقته بالطلبة، يرتبطان بتحسّن تحصيلهم الأكاديمي ورفاههم النفسي على المدى البعيد. مثل هذه النتائج تجعلنا نقرأ سيرة رجالٍ من طراز د. عبدالله الكندري لا كأسماء في مناصب، بل كأمثلة حيّة على ما يستطيع أن يفعله مربٍّ واحد حين يأخذ رسالته بجدّ.

Ad

​لكن الصورة الأقرب إلى قلبي لم تكن في المنصّات، بل في البيت. أبحاث حديثة في بناء الشخصية لدى اليافعين تذكّرنا بأن حضور الوالد وطريقة تربيته ليست تفصيلاً ثانوياً، فدراسات طولية بينت أن أسلوب الوالدين، ودفء العلاقة مع الأب تحديداً، يرتبطان بنمو المرونة النفسية، وبسلوكيات أكثر اتزاناً في المراهقة وبداية الرشد. حين أنظر إلى أبنائه وأولاد العائلة من حوله أرى ترجمة هادئة لهذه النتائج: أخلاق سمحة، خدمة للناس، وحس مسؤولية لا يحتاج إعلاناً. هذا إرث لا يُكتب في السيرة الذاتية، بل يُقرأ في سلوك الجيل الذي يخرج من بيت الرجل.

​والفقد، وإن بدا في لحظته انقطاعاً حاداً إلا أن دراسات الحزن الحديثة تقدمه بطريقة أعمق: فلسفة «الروابط المستمرة» في أدبيات التعلّق والحداد منذ عمل Klass وSilverman وNickman عام 1996 تقول إن العلاقة لا تنتهي بالموت، بل تعيد تشكيل نفسها في الذاكرة والسلوك والدعاء. نحن لا «نتجاوز» أحبابنا، بل نتعلم كيف نحملهم معنا بصورة أخرى.

​لعل أجمل ما يُقال في رثاء مربٍّ مثل د. عبدالله إسماعيل الكندري أن أثره لم يُدفن معه، ما زال يتحرك في درس يشرحه معلم تأثر بكلماته، وفي طالب أحب مهنته لأن أحداً احترم عقله، وفي بيتٍ يخرج منه أبناء وبنات يحملون خلقه في تعاملهم اليومي.

​نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجزيه عن تعبه في خدمة التعليم والإنسان خير الجزاء، وأن يجعل ما غرسه من علمٍ وخلقٍ في أبنائه وطلابه صدقة جارية لا تنقطع.