لستُ أرى - وأنا أتأمل قصّة «معالي الوزير» - أنها حكاية وزير دخل في التشكيل الوزاري بالخطأ، وإنما أراها قصة نفس بشرية وُضعت فجأة في امتحان صعب.
يقول الكاتب المصري وحيد حامد إنه استوحى قصة فيلم معالي الوزير من حادثة حقيقية في مصر، كانت بسبب تشابه أسماء أحد المرشحين للوزارة وارتباك في الإجراءات، وعليها تم تنصيب الشخص الخطأ.
من هنا تحولت الحادثة إلى قصّة مثيرة في مخيّلته، ثم إلى عمل فني متكامل، عمل سينمائي يصور تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أكبر من نفسه، لا بفضله، بل بثقل المنصب الذي يحمله. فالحكاية - في ظاهرها - تبدأ بسقطة قلم وتشابه أسماء لا أكثر، لكن هذا الخطأ يتحول إلى ابتلاء وقَدَر، قدر يمتحن طبائع النفس البشرية، ويمتحن الوزير الذي فُتحت له أبواب القوة فجأة، ووجد نفسه على مقعد الوزارة، في لحظة لم تُمنح له فيها فرصة الاختيار ولا التراجع.
لم يكن رأفت رستم - الشخصية التي جسّدها المبدع أحمد زكي - بطلًا تقليديًا، بل كان إنساناً يتشكل ببطء تحت مغريات المنصب القيادي الصعب. إنسان جاء إلى الوزارة بالحظ، لكنه لم يبقَ فيها بالحظ! إذ سرعان ما تعلّم لغة البقاء السلبية! لغة الشك والحرص والتصفيات والحذر والحسابات الخفية.
فالرواية تصوّر لنا كيف يمكن للمنصب أن يعيد تشكيل كيان الإنسان، حين يصبح القلق من ضياع الكرسي أكبر من القلق على ضياع الضمير، وحين يتحول النفوذ إلى وسيلة لحماية الذات قبل خدمة الناس.
والفيلم - في عمقه النفسي - لا يروي قصة صعود رجل فحسب، بل رحلة انحداره الداخلي أيضًا، إذ تلاحق البطل كوابيس متكررة، تتجسد فيها مخاوفه من انكشاف فساده، أو فقدان قدرته على التمتع بما جمعه من ثروة ونفوذ وحصانة. وهذه الكوابيس ليست مجرّد عنصر درامي، بل هو الضمير الذي يرفض أن يموت، ويقاوم صاحبه، وصاحبه يحاول خنقه بالسلطة والمال.
ومن هنا تتجلى براعة البناء الدرامي، الذي لم يصوّر الفساد كخطة شيطانية جاهزة، بل كمسار تدريجي، يبدأ بالخوف، ثم يتحول إلى حرص، ثم إلى طمع، حتى يصبح أسلوب حياة يومياً.
كما أن العمل لا يهاجم شخصاً بعينه، بقدر ما يطرح سؤالًا أشد خطورة: هل المشكلة دائمًا في النفس البشرية أم في البيئة التي تفرض قواعدها القاسية على من يدخلها؟
إن القيمة الأدبية والفكرية للفيلم تكمن في قدرته على كشف ضعف الإنسان أمام إغراءات القوة والنفوذ. فالمنصب - في هذا السياق - ليس سلطة ونفوذا، بل هو امتحان أخلاقي مستمر، وكلما طال البقاء في الكرسي، ازداد ثقل الامتحان، حتى تصبح النجاة من السقوط معجزة أخلاقية نادرة.
وهكذا يخرج المُشاهد من الفيلم من دون أن يهتم بمعرفة الوزارة المقصودة ولا الوزير المعني في القصة، بقدر اهتمامه بفهم أطماع النفس البشرية، وضعفها أمام بريق القوة ووهم الخلود في مقاعد الوزارة.