في حياة كلٍّ منّا لحظاتٌ مدهشة، ومواقف عصيّة على النسيان، لا لشيءٍ إلّا لغرابتها، أو لندرتها، أو لما تحمله من طرافةٍ تلامس القلب. لحظاتٌ تستدعيها الذاكرة بين الفَينة والأخرى، فتطلّ علينا بابتسامةٍ هادئة، تختبئ في ثناياها مشاعر شتّى لا تُنسَى. ومن بين تلك المواقف، حادثةٌ وقعت لي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين كنت في نحو العشرين من عمري. كان عمّي سعيد - يرحمه الله - قد انتقل مع أسرته مطلع السبعينيات للإقامة في مدينة الإسكندرية الساحلية، ولم يكن يعود إلى الصعيد إلّا في المناسبات، وعلى فتراتٍ متباعدة قد تمتد لسنوات. وفي إجازة نهاية العام، عقدتُ العزم على السفر إلى الإسكندرية، لزيارة عمي، ولقاء أبنائه الذين غادروا إلى تلك الديار البعيدة، ولم ألتقهم منذ زمنٍ طويل. لم تكن وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم، فلا هواتف محمولة، ولا شبكات تواصل، فاكتفيتُ بعنوانٍ حصلتُ عليه من أحد أبناء عمومتي في القرية، وحملت أشواقي معي، وركبت القطار متجهاً إلى القاهرة. بعد استراحة قصيرة هناك، سألت عن القطار المتّجه إلى الإسكندرية، وما هي إلّا لحظات حتى انطلق بي، وأنا غارق في خيالاتي، أتأمل وجوه أبناء عمي في ذهني، وأرسم مشهد اللقاء الأول بعد سنوات الغياب الطويلة. وصلت إلى محطة مصر بالإسكندرية، ولم أكن أعرف كيف أصل إلى منطقة القبّاري حيث يقيم عمي، كما هو مذكور في العنوان. نظرت من حولي باحثاً عمّن يدلّني، فوقعت عيناي على شابٍ وسيم، فاتجهت إليه وسألته: - لو سمحت، عاوز أروح مكان اسمه القبّاري، أركب إيه من هنا؟ أشار بهدوء قائلاً: - «اركب سيارة السرفيس اللي هناك»... لم يسألني من أين أنا، ولا إلى مَن أقصد، فشكرته وانصرفت. انتظرت قليلاً حتى اكتمل عدد الركاب، وانطلقت السيارة، لتشقّ طريقها لنحو نصف ساعة. وعند الوصول إلى القبّاري، بدأت رحلة سؤالٍ أخرى: عن شارعٍ كذا، وبجوار مسجدٍ كذا، حتى وصلت أخيراً... إلى بيت عمي. طرقتُ الباب، وما إن فُتح، حتى وقعت المفاجأة التي تفوق الخيال! كان الواقف أمامي، هو ذاته الشاب الوسيم الذي سألته في محطة مصر عن طريق القبّاري! كان ذلك الشاب هو ربيع، ابن عمي! لم يعرفني، ولم أعرفه، إذ لم نلتقِ منذ افترقنا قبل نحو عقدين من الزمان. تعانقنا طويلاً، تعانُق الدهشة بالدمع، واختلطت الفرحة بالذهول، وانهمرت الدموع من مآقينا دون استئذان، وكأن القدر قرّر أن يختصر المسافات، ويجمع الغائبين في لحظةٍ لا تتكرر. هذه الواقعة تثبت لنا أنّ الحياة لا تكفّ عن مفاجأتنا، وأن للمصادفة أحياناً يداً خفية تشبه المعجزات الصغيرة، فكم من لقاءٍ دبّره القدَر بصمت، وكم من طريقٍ سلكناه عابرين، كان في نهايته قلبٌ ينتظرنا دون أن ندري. حقاً... بعض ما يحدُث في حياتنا، أغرب من الخيال!
مقالات - اضافات
أغرب من الخيال!
05-02-2026