شهدت صناعة السياحة في العقود الأخيرة، وبعد التطور السريع لمنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً جذرياً في سلوك السائح من مرحلة التخطيط إلى مرحلة المشاركة بعد الرحلة.
لم تعد وسائل الإعلام التقليدية والوكالات السياحية وحدها هي المنبع الأساسي للمعلومة، بل أصبحت منصات، مثل: إنستغرام، وتيك توك، ويوتيوب، وسناب شات، هي المرجع الأبرز عند كثير من السياح عند اتخاذ قرارات السفر واختيار الوجهات والأنشطة، وتحوَّلت من مصدر للمعلومات إلى مؤثر في القرار السياحي الذي يتابعه كل أصحاب العلاقة في القطاع السياحي من مستفيد إلى مقدم خدمات وأصحاب القرار.
في السابق كان التخطيط للسفر يعتمد على الكتالوجات، وكُتيبات وكالات السفر، أو نصائح الأصدقاء المقربين. أما اليوم، فقد أصبحت منصات التواصل مصدر الإلهام الأول لدى السائحين حول العالم. ففي دراسة تحليلية حديثة نشرها موقع «الجزيرة نت»، اعتمد 75 في المئة من المسافرين على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للإلهام عند التخطيط لرحلاتهم، حيث يتجهون للبحث عن تجارب حقيقية، صور، وفيديوهات، لمستخدمين آخرين توضح الوجهات والعروض السياحية، قبل اتخاذ قرار الحجز النهائي.
هذا التحوُّل في السلوك ليس مجرَّد إحصائية سطحية، بل يعكس ثقة متزايدة في المحتوى الذي يُنشئه المستخدمون أنفسهم، مقارنة بالمصادر الرسمية أو الإعلانية أو التقليدية، مما يجعل التوصيات والتجارب الشخصية أكثر تأثيراً في خيارات السياح. وأصبح السائح في عصر التواصل الاجتماعي ليس فقط مستهلكاً للمحتوى، بل منتجاً له. برامج مثل «تيك توك» و«إنستغرام» لا تقدِّم فقط صوراً جميلة للوجهات، بل تنقل تجارب تفاعلية تظهر نشاطات، وفنوناً، وطعاماً محلياً، وموسيقى، وثقافة، وأنشطة قد لا تظهر في المواد التسويقية الرسمية. هذه التفاعلات الواقعية ساهمت في تعزيز رغبة السفر لدى جمهور واسع، خصوصاً الفئات العُمرية الشابة. ولم تعد منصات التواصل تكتفي بعرض المشاهد الجميلة فقط، بل تعمل أيضاً على تشجيع الاكتشاف والتفاعل والتعليقات، والتقييمات، والمقاطع القصيرة، وحتى القصص اليومية (Stories) تعمل كـ «دليل رقمي تفاعلي» قبل وأثناء السفر، مما جعل السياحة أكثر فاعلية في التخطيط وأكثر تفاعلاً في التجربة الفعلية.
لقد تحوَّلت منصات التواصل الاجتماعي من مصدر للمعلومات إلى التأثير، ومن مجرَّد قنوات للمعلومات إلى عوامل حقيقية في توجيه السلوك السياحي، وقد جعلت من السفر أكثر تفاعلية وشخصية، وأقل اعتماداً على المصادر التقليدية، وأكثر تواصلاً ومشاركةً بين المسافرين، مما حقق وسيلة لتعزيز السياحة الداخلية والتبادل الثقافي.
وبذلك، يمكن القول إن منصات التواصل ستلعب في المستقبل دوراً أعمق في صناعة السياحة، ليس فقط من ناحية الإلهام، بل أيضاً في توجيه السلوكيات والمسارات السياحية، وإعادة تشكيل هياكل السوق والتجربة نفسها.