يوجد اليوم آلاف من منظمات حقوق الإنسان حول العالم، تتنوَّع بين منظمات دولية غير حكومية كبرى، وهيئات تابعة للأمم المتحدة، وأخرى إقليمية. ولعل من أبرز هذه المنظمات: منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، إضافة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. غير أن المؤسف حقاً أن بعض هذه المنظمات اتخذت من شعار «حقوق الإنسان» أداةً للضغط السياسي على دول، فيما حوَّله البعض الآخر إلى وسيلةٍ للابتزاز المالي أو لتحقيق مكاسب ونفوذ، بعيداً عن جوهر الرسالة الإنسانية التي تأسست من أجلها. 

 

ومما يزيد المشهد قتامةً، أن كثيرين صدَّقوا أن هناك مَنْ سيُدافع عن حقوقهم الإنسانية من دون مقابل، وعلَّقوا آمالهم على هذه المنظمات، ناسين– أو متناسين– أن هذه الجهات لم تنجح في إنصاف ملايين المظلومين عبر عقود، فكيف يُنتظر منها أن تنتصر لفردٍ أعزل؟! 

 

ففي فلسطين، ومنذ عام 1948 حتى يومنا هذا، يُقتل المدنيون، ويُستهدف الأطفال، وتُمارس سياسة الاعتقال الإداري من دون محاكمات عادلة، وتُهدم المنازل، ويُفرض الحصار، وتُمنع المساعدات الإنسانية، في مشهدٍ مستمر لا يحتاج إلى مزيدٍ من التوثيق بقدر ما يحتاج إلى محاسبة حقيقية. 

Ad

 

وفي سورية، إبّان حُكم الأسد، شهد العالم جرائم الإخفاء القسري، والتعذيب داخل السجون، والقصف العشوائي للمناطق المدنية، والتهجير القسري لملايين السوريين، وسط عجزٍ دوليٍ واضح عن تحويل التقارير الحقوقية إلى عدالة فعلية. 

 

أما في الصين، فيتعرَّض الإيغور لاضطهاد ممنهج، من خلال معسكرات «إعادة تأهيل» قسرية، ومراقبة جماعية واسعة، وتقييد صارخ لحُرية الدِّين والهوية الثقافية، في واحدةٍ من أكبر قضايا القمع المُعاصر. 

 

وفي ميانمار، شهد العالم عمليات تطهير عرقي بحق الروهينغا، شملت حرق القرى، والقتل، والتهجير الجماعي، من دون أن يتجاوز رد الفعل الدولي حدود الإدانات الباردة. 

 

وحتى الولايات المتحدة الأميركية، التي كثيراً ما تُقدَّم بوصفها حامية لقِيم حقوق الإنسان، تشير تقارير حقوقية إلى استمرار عُنف الشرطة، والتمييز العنصري، وسوء أوضاع السجون، والانتهاكات بحق المهاجرين. 

 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين هذه المنظمات من كل هذه الجرائم الإنسانية؟ ولماذا لا يزال الكثير منها مستمراً حتى هذه اللحظة من دون ردع حقيقي أو محاسبة عادلة؟ 

 

إن المشكلة ليست في مبدأ حقوق الإنسان ذاته، بل في انتقائيته وتسييسه ضمن نظامٍ دولي تحكمه المصالح، لا القِيم، وتُدار فيه العدالة بميزان القوة، لا بميزان الحق، لأن العدالة الدولية، للأسف، ما زالت تسير خلف السياسة، لا أمامها. 

 

زبدة الكلام، إن حقوق الإنسان شعار حق يُراد به متاجرة، إما سياسية، وإما مالية.