يُقصد بالاقتصاد الأسود (Black Economy) مجموع الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة أو غير المُعلَن عنها التي تُمارَس خارج إطار القوانين والرقابة الرسمية للدولة، ولا تُسجَّل في الحسابات القومية الرسمية، ولا تُدفع عنها ضرائب أو رسوم، وينقسم عادةً إلى مسارين رئيسيين؛ المسار الأول يشمل أنشطة غير قانونية بالكامل، كتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وتهريب السلع والأسلحة، وغسل الأموال، والتزوير والقرصنة. والمسار الثاني مرتبط بأنشطة قانونية لكن غير مُعلَنة، كالعمل من دون تصاريح، والتهرُّب الضريبي، والمنشآت التي تعمل من دون تسجيل رسمي. فالأنشطة قد تكون قانونية في جوهرها، لكنها تُصبح جزءاً من الاقتصاد الأسود، بسبب الإخفاء والتهرُّب. إذاً لماذا ينشأ الاقتصاد الأسود؟ الجواب يرتبط بعدة أسباب، منها: الضرائب المرتفعة، أو التعقيد الضريبي، والبيروقراطية، وصعوبة الترخيص، وضعف الرقابة والحوكمة، والبطالة وندرة فرص العمل، والفساد وانعدام الثقة بالمؤسسات المالية وغير المالية. أما آثاره السلبية على الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني، فلا تنحصر فقط في انخفاض الإيرادات العامة من الضرائب والرسوم، بل تؤدي إلى انتشار جرائم الفساد وغسل الأموال، والتي تهدِّد الأمن القومي والاستقرار المجتمعي، فضلاً عن تشويه المنافسة بين الشركات، وغياب المعلومات والبيانات الدقيقة التي يُعتمد عليها في التخطيط المالي والاقتصادي، لأن أنشطتها غير مسجلة في حسابات الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، مما يؤدي إلى وضع تقديرات أقل من الحجم الحقيقي للاقتصاد، وينجم عنها قرارات اقتصادية مبنية على بيانات ناقصة. أما أثر الاقتصاد الأسود على السياسة المالية، فيؤدي إلى تراجع الإيرادات الضريبية، وتوسع العجز المالي، وزيادة الاعتماد على الاقتراض، وتقليص الإنفاق التنموي. كما أن له أثراً كبيراً على السياسة النقدية، بسبب تداول نقدي خارج النظام المصرفي، مما يُضعف فاعلية التحكم في أسعار العُملة والفائدة وفي أدوات مكافحة التضخم مع صعوبة تتبع السيولة. أما أثره على سوق العمل، فهو يشوِّه معدَّلات البطالة، ويخفض إنتاجية العمالة على المدى الطويل. طبعاً هناك فارق بينه وبين الاقتصاد الموازي والرمادي، فالاقتصاد الموازي عادةً يكون قانونياً، لكنه غير منظم، وغالباً لا تُدفع فيه الضرائب، والإفصاح والرقابة فيه ضعيفان، ودرجة مخاطره منخفضة، وأثره الأمني محدود. أما الاقتصاد الرمادي، فيُعد شبه قانوني، وغالباً لا تحصَّل فيه الضرائب والرسوم، والإفصاح والرقابة فيه جزئيان، ودرجة مخاطره متوسطة، وأثره الأمني مُحتمل. طبعاً الاقتصادان الموازي والرمادي هما عكس الاقتصاد الأسود، الذي هو مخفي وغير قانوني، ولا تدفع أو تحصَّل فيه الضرائب، والرقابة فيه معدومة، ودرجة مخاطره عالية جداً، وأثره الأمني خطير. إذاً هل بإمكان الدول مواجهة مخاطر الاقتصاد الأسود؟ نعم، بإمكانها مواجهته واحتواؤه، من خلال تبسيط الإجراءات والأنظمة، وإصلاح النظام المالي والضريبي، والتحوُّل إلى أنظمة الدفع الرقمي والإلكتروني، وتشديد قوانين مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الشفافية والحوكمة، والقيام بتسويات ضريبية عن طريق تصحيح أوضاع المنشآت المخالفة مع إعطاء حوافز للامتثال، بهدف الإدماج بالاقتصاد الرسمي تدريجياً، لأنه كلما اتسعت بقعة الاقتصاد الأسود، تراجعت سيادة الدولة الاقتصادية. لذلك من المهم للمستثمرين من أفراد وشركات وصناديق سيادية أن يقيِّموا مخاطر اقتصادات الدول التي يرغبون الدخول فيها بهدف الاستثمار، حتى لا يصطدموا بالتحديات الهيكلية والاختلالات المالية التي تواجهها بعض الدول التي تعاني تبعات الاقتصاد الأسود.
مقالات - اضافات
الاقتصاد الأسود
05-02-2026