لم تعد توصيات الذكاء الاصطناعي محايدة كما تبدو. فحين يسأل المستخدم «تشات جي بي تي» أو أي روبوت دردشة آخر عن أفضل منتج أو خدمة، غالباً ما تكون الإجابة الأولى نتيجة عمل بشري منظم، لا محض خلاصة ذكية للإنترنت، بعدما باتت شركات صغيرة ومتوسطة - في ظاهرة آخذة في الاتساع - تستثمر مبالغ كبيرة لضمان حضورها الفاعل داخل إجابات هذه النماذج.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن التحول هذا يمثل امتداداً طبيعياً لتحسين محركات البحث التقليدي، لكنه أكثر تعقيداً وأقل شفافية. فبدلاً من السعي إلى الظهور في صدارة نتائج «غوغل»، أصبح الهدف هو التأثير في طريقة تفكير نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، عبر ما يُعرف اليوم بـ«تحسين محركات التوليد» generative engine optimization.

وتعمل هذه النماذج بوصفها «قارئاً سطحياً» للشبكة، أي إنها تجمع إشارات من مصادر متعددة وتنسج منها سردية متماسكة. وعلى رغم محاولات الشركات المطورة، مثل «أوبن أي آي» و«غوغل»، ترجيح المصادر الموثوقة وكبح التلاعب، فإن قابلية التأثير لا تزال قائمة.

Ad

واللافت أن حركة الإحالات من روبوتات المحادثة إلى المواقع الإلكترونية تشهد قفزة حادة. فجزء متزايد من الزيارات لم يعد يأتي من محركات البحث، بل من توصيات منصات الذكاء الاصطناعي مباشرة. وتشير البيانات إلى أن هذه الزيارات أكثر قيمة تجارياً، إذ يميل أصحابها إلى قضاء وقت أطول، وتصفح صفحات أكثر، وإتمام عمليات شراء بنسبة أعلى. بحسب موقع إندبندنت عربية. ومع ذلك، فإن الأرقام المتاحة لا تعكس الحجم الحقيقي للاعتماد على هذه الأدوات، لأن كثيراً من المستخدمين يتلقون التوصية عبر التطبيق ثم ينتقلون إلى منصة أخرى لإتمام الشراء، مثل مواقع التصفح أو تطبيقات المتاجر الإلكترونية عينها.

أما داخل هذه السوق الناشئ، فقد ظهرت شركات متخصصة تسعى إلى التأثير في إجابات الذكاء الاصطناعي بأساليب مدروسة، إذ تقوم هذه الشركات بتكرار عبارات محددة تربط اسم العلامة التجارية بصفات إيجابية، عبر نشرها في عدد من المواقع والمدونات، غالباً ضمن شبكة واحدة. ومع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي على تكرار الإشارات المتشابهة لصياغة إجاباتها، يكفي هذا التراكم أحياناً لدفعها إلى تبني سردية معينة، وتقديمها للمستخدم على أنها حقيقة راسخة.

وعلى رغم ذلك، ليست كل الحقائق قابلة لإعادة الصياغة. فحين تكون معلومات معينة موثقة على نطاق واسع في وسائل إعلام كبرى ومستقلة، يصبح من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تغيير «قناعة» النموذج الذكي. هذا التعدد في الإشارات، على علاته، يمنح المستخدمين قدراً من الحماية.

وتبرز هذه التحولات سؤالاً جوهرياً للمستخدم: هل يجب الوثوق الكامل بإجابات روبوتات الدردشة؟ يشير الخبراء إلى أن توصيات الذكاء الاصطناعي مفيدة وتوفر الوقت، لكنها ليست بديلاً نهائياً عن التحقق البشري. وفي المسائل التي تتطلب دقة عالية، يفضل الرجوع إلى مصادر صحافية موثوقة أو خبراء متخصصين، فيما يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا مرجعاً نهائياً.