في مقابلةٍ لإنجاز معاملة حكومية تستوجب حضوري شخصياً لإتمامها، دخلت مكتباً في إحدى الوزارات بـ «المناطق الداخلية» خلال العام الماضي، وبعدها أتت الصدمة. قالتها لي، وكانت مؤلمة، قالتها لي من دون اكتراث، ولا حتى النظر في وجهي: تفضل عمي! 

لوهلة، أُصبت بدهشة وصدمة شديدة، فسألتها، وبكل بساطة، إن كان شكلي يعطي شكل «العم» الكبير الذي شابت ذوائبه. فأجابت بعد النظر إلي والإحساس بصدمتي، أنها كلمة تستخدمها مع كل المراجعين، بل هي لم تنظر إلى وجهي أساساً، وليس لأني «محتسي» من «ينبوع» الحياة، بل لأنني ببساطة صغير سن، وهي لم تنتبه.

دعتني تلك الشابة للجلوس، فسألت وتساءلت، وبعدها بدأت تلك المكالمات الهاتفية من الخطوط الداخلية بإزعجانا، تارةً يأتي الجواب على صورة: «نعم يا أبا فلان، تلك المعاملة لن تسير»، وتارةً أخرى يأتي الجواب لأمرٍ مشابه على طريقة: «طبعاً سأنفذ الأمر، بما أنه من طرف أبي علان»! 

Ad

لم أكن بحاجة أبي فلان أو علان في معاملتي، لكنني لاحظت أن الاتصال الهاتفي لهذا النوع من العمل الحكومي شبه الروتيني مهم لدى بعض الموظفين. وشخصياً أكره هذا النوع من التعامل في إنجاز الأعمال. ويجب أن تتم مراقبة مثل تلك التصرفات الغريبة بالدوائر الحكومية.

إن فكرة المراجع السري التي طرحت، ولا أعلم إن نفذت أو نجحت واستمرت، من الأساليب التي تفرض شيئاً من إحساس وشخصية الكاتب جورج أورويل في رواية «الأخ الأكبر»، والتي لا أميل إليها شخصياً، ولا أحبذها بتاتاً. أما وضع مؤشرات أداء ومراقبة عدد المعاملات المُنجزة والرقابة الصارمة الحثيثة لشكاوى المواطنين، فهي الأمور التي يستوجب التركيز عليها في زمننا هذا. أما أسلوب المكالمات الهاتفية، وإرسال فلان لعلان، فقد دمرت أمماً، ولا رغبة لدي شخصياً بوجودها في أي بقعةٍ أو مكان.

استأذنت الموظفة مني لعمل بصمة الحضور، التي لم تشكِّل أي فارقٍ على القنوات الإدارية في مقر عملها. شكرتها بدوري، تلك الموظفة، وألقيت عليها التحية والسلام والتقدير والثناء، ثم ذيَّلت جُملتي بكلمة «يا خالتي»، وأنا مبتسم منتشٍ بانتصاراتي وخيباتي في العمل المؤسساتي لدينا. 

سمعت شيئاً من الكلمات التي أثارت حفيظتها، وأشعلت بداخلها ما أشعلته بي بداية لقائنا وأنا خارج من المكتب المستطيل جداً باتجاه سيارتي.

على الهامش: نظرية أعجبتني من صديقٍ شخصي، وهو مستشار قانوني «كبير» ذو جنسية عربية. كلما هاج وماج الرئيس ترامب وارتفع الذهب، بدأ بسداد ديون الخزينة الأميركية، ليخرج بعدها ويقول: عسى ما شر!