تُعد الظروف الاقتصادية هي المؤثر الرئيسي في التحولات الاجتماعية للمجتمعات، وعلى قدر ما تتباين تلك الظروف، تكون التحولات الاجتماعية للمجتمع عاصفة، حتى إنه من الممكن أن يُعاد تشكيل الهيكل المجتمعي بشكلٍ كامل. وفي المنطقة العربية، كان ما قبل حقبة السبعينيات والثمانينيات يختلف جذرياً عما بعدها، حيث تأتي أهمية تلك الحقبة ليس في المنطقة وحدها، بل في العالم، من اشتمالها على ذروة إعادة هيكلة بعض الأنظمة، لتدخل ضمن جسد النظام الرأسمالي، وفي خضم ذلك مرَّت تلك الأنظمة بتحوُّلات سياسية واجتماعية شكَّلت تصورات جديدة عن الحياة ومواد استهلاكها الرائجة.وعلى عكس دول الخليج التي مثلت الحقبة فيها مرحلة إعادة تكوين المجتمع، كانت بقية دول المنطقة، ومصر تحديداً كنموذج قياسي، على موعدٍ مع العاصفة.فمع ظهور القطاع الخاص، وتعزيز حضوره خلال مطلع الثمانينيات، شهد المجتمع تحوُّلاً جذرياً من نظام وهيكل سياسي واجتماعي إلى نظام وهيكل آخر، بما يمكن أن يُعد مركزاً لإعادة قراءة الحياة الاجتماعية في العالم العربي، بدأ من القاهرة التي استقر القطاع الخاص في اقتصادها المحلي بسرعة، وأيضاً إعادة تشكُّل العلاقة بين الدولة والمواطن مع تراجع دورها في الدعم، طبقاً للتغيُّرات المحيطة، فانخفض الدعم الموجَّه إلى فئات المجتمع المصرية التي يُطلق عليها «فئة محدودي الدخل».صاحب إعادة تشكُّل تلك العلاقة تحوُّل السلوك المجتمعي من الإنتاج إلى الاستهلاك، الذي جاء نتيجة مستحقة ومنطقية لسياسات الانفتاح الاقتصادي، التي حرَّرت الاقتصاد من القيود التي تعرقل حركة التجارة والاستثمار، وتميَّزت بالحد الأدنى من القيود المفروضة على التجارة والتمويل، ما سمح بالتبادل الحُر للسلع والخدمات ورأس المال مع السوق العالمية، وتنشيط الاستثمار، وتجاوز تحديات الفترة الاشتراكية.رمضان كريمتصل العاصفة ذروتها، ويُترجم هذا التحوُّل في السلوك المجتمعي إلى نمطٍ استهلاكي في أبهى صوره، خلال شهر رمضان، كما وصفه تماماً أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر في الفترة من 1798-1801، جاسبار كونت دي شابرول، في دراسة مستفيضة بعنوان «دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين»، ضمن كتاب «وصف مصر» عن سلوك المصريين في شهر رمضان: «القاهرة هي القاهرة».يقول دي شابرول في دراسته: «يسعى كل شخص في النهار قدر طاقته كي يُنهي عمله في أسرع وقت، ليخصص بضع ساعات للنوم، فترى الفلاح راقداً تحت نخلة بعد أن أنهى في فترة الصباح عمله، وترى التاجر يرقد في دكانه، والعامّة ممدين في الشوارع بجوار جدران مساكنهم، فيما الغنيّ راقداً بالمثل، نعسان ينتظر على أريكته الفاخرة الفترة التي تسبق غروب الشمس، وأخيراً تأتي الساعة التي طال انتظارها، فينهضون على عَجَل، ويهرع كل شخص للحصول على مكانه».أكثر من قرنين وعقدين مضوا على دراسة دي شابرول، ولم تتغيَّر عادات وسلوك المصريين، ففي 30 يوماً تتغيَّر الحياة تماماً، وتتحوَّل إلى طقوسٍ خاصة يُحييها المصريون بتجمُّعات عائلية وموائد وولائم الإفطار، وتتخللها مظاهر إيمانية تتعلق بإطعام الفقراء عبر «موائد الرحمن»، التي تنتشر في محافظات مصر، أو في الأقل توزيع سلع أساسية وغذائية على الفقراء.تحول النمط الاستهلاكيوبالتوازي، يتحوَّل النمط الاستهلاكي في رمضان نحو زيادة الإنفاق على الأطعمة والمشروبات، بسبب التجمُّعات والولائم، مع زيادة في الطلب على المنتجات الغذائية الأساسية والحلويات والمكسرات. وتتأثر هذه الزيادة بدوافع نفسية وعاطفية (المباهاة، التخفيف من التوتر) وحملات إعلانية، مما يؤدي إلى الإفراط في الشراء، والهدر الغذائي، رغم أن رمضان هو شهر للعبادة والترشيد.إلا أنه، ومن المؤكد، لو عاصر العالم الفرنسي دي شابرول رمضان هذا الزمان في القاهرة، لوجدها ليست هي القاهرة التي عرفها ووصفها، حتى إنها لم تعد هي القاهرة التي عرفناها حتى ثمانينيات القرن الماضي، فالنمط الاستهلاكي، وكما تغيَّر بشكلٍ عام، بعد حقبة الثمانينيات، كعقدٍ فاصل، كان لا بد أن يتغيَّر بشكلٍ عاصف في هذا الشهر ما بعد هذا العقد. ساهم في هذا التغيُّر، ما أفرزته التحوُّلات الاجتماعية التي استعرضها التقرير، والتي تمحورت جميعها حول متغيِّرات الانفتاح الاقتصادي، بكل تداعياته، فأنتجت هذا النمط.واتساقاً، يمكن القول إن الانفتاح هو ما يفسر هذا التحوُّل، إذ تغيَّرت عادات الأسرة المصرية من استهلاك المواد الغذائية الخام، ومن ثم إعدادها بالبيوت إلى تفضيل الكثير من الأسر الاعتماد على الوجبات الجاهزة، وهو النمط الذي ساهم فيه الكثير من العوامل، كانتشار مطاعم الوجبات السريعة وشركات التوصيل، إضافة إلى تأثير العوامل النفسية والاجتماعية، بما يُسهم في زيادة الإسراف على عادات المباهاة والتنافس في الولائم، وزيادة الإعلانات التجارية التي تستغل هذه الفترة لزيادة الشراء غير الضروري، وهو الدافع الذي تعززه الطبيعة الروحانية لهذا الشهر، التي تُسهم في تعزيز الشعور بالسعادة، ما يدفع الفرد إلى استخدام المال بطُرق مختلفة في قراراته الشرائية، بدعم من سلوك الشراء الاندفاعي.وسواء ازداد الإنفاق في شهر رمضان أم لا، تبقى الظروف الاقتصادية المتغيرة لاعباً مهماً في تشكيل الأنماط الاستهلاكية. فالبعض يعتبر هذا الشهر فرصة لتعزيز التجارة وزيادة الدخل، والبعض الآخر يواجه تحديات مالية تؤثر على قدرته الشرائية، لذلك فالأمر لا يتعلق بوعي المستهلك فقط، لكن يتعلق أيضاً بالكثير من السياسات الاقتصادية وتحولاتها، ليس في القاهرة فقط، ولكن في مختلف عواصم المنطقة.
Ad