في حين تتسابق الدول لاستضافة مختلف أنواع المناسبات الدولية والإقليمية رفعةً لشأنها وإظهاراً لقدراتها الإدارية والمالية، تواجه شعوبها تحديات مالية على المستوى الشخصي، حيث تجد نفسها عند مفترق طرق فيما يتعلق بكيفية التعامل مع هذه المناسبات: فإما الانغماس في مختلف الفعاليات الرئيسية والمصاحبة لهذه المناسبات أو تجاهلها والالتفات إلى مناحي حياتهم اليومية وكأن شيئاً لم يكن. من اختار الطريق الأول فقد ألزم نفسه بفتح خزائن مدخراته، إن كان من المدخرين أصلاً، والصرف منها أو باللجوء للاقتراض بغية الاستفادة من مناسبة عالمية قد لا تتكرر في بلده مرة أخرى، أما من اختار الطريق الثاني وهو التجاهل التام لهذه المناسبات والاكتفاء بالمجاني منها (مباريات منقولة مجاناً أو جوائز عشوائية لا تتطلب مشتريات) ففي الغالب سيحافظ على مستوى صرفه دون مساس. تضخم لا بد منهمهما كانت اختيارات مواطني ومقيمي الدول التي تستضيف هذه المناسبات العالمية فهم بلا شك مطالبون بتحديد اختياراتهم سواء قبل أو خلال إقامة فعاليات هذه المناسبات، إلا أن العامل المشترك لكلا الخيارين هو التضخم، ذلك الشبح الذي يخيم على أجواء هذه المناسبات ويترك البلدان المستضيفة فريسة لغلاء في مختلف السلع والخدمات التي تقدم خلال المناسبات وتبقى بعدها إلى أن يشاء الله. فالتضخم متى ما حل في بلد ما بات من العسير التخلص منه، والشواهد على ذلك كثيرة منها ما تعانيه أعتى اقتصادات العالم كالولايات المتحدة التي ظلت تحارب التضخم برفع سعر الفائدة إلى الحد الذي أوصل سوق الأوراق المالية إلى حافة الانهيار، فإذا كان هذا حال أكبر اقتصاد في العالم فكيف سيكون الحال بغيرها من الاقتصادات الأقل حجما، ومما قيل في التضخم هو مقولة مورغان هاوسل في كتابه "سيكولوجية المال: "التضخم هو الضريبة التي تأكل أموالك بكل هدوء".خيار ثالث لمحترفي الادخارمهما كان الفرد حصيفاً في تعامله مع المال، تبقى الرغبة في اقتناص مثل هذه المناسبات طاغية بصورة تدعو صاحبها إلى فعل شيء ما، مهما كان صغيراً، لاغتنام هذه المناسبات للترفيه عن نفسه، خصوصاً في بلدان يطغى عليها انعدام الترفيه طوال العام، أو في تلك الدول التي تعاني أجواء شديدة الحرارة أو البرودة حيث يصعب إيجاد منافذ ترفيهية مناسبة. يأتي هنا دور محترفي الادخار في التوفيق بين الاقتصاد في الصرف وارتشاف القليل من المتعة التي لا تطير بمدخرات الفرد إنما تقتطع جزءاً قليلاً منها وبصورة مدروسة وتوجيهها نحو الصرف العقلاني على أوجه معينة من هذه الفعاليات. التخطيط أولاًكما هو الحال في مبادئ إدارة الأموال الشخصية (Personal Finance) فإن التخطيط السليم هو مفتاح النجاح في درب الادخار. حيث تلعب الأولويات دورها في تنسيق الحياة المالية بصورة احترافية تجعل من الوصول للأهداف المالية غاية في السهولة، وعليه فإن مَن يحسن التخطيط سيوفق في اجتياز اختبار ضغوطات المناسبات، من الناحية المالية طبعاً، ويتمكن من الاستمتاع بها دون تقصير في مشوار أهدافه المالية الأخرى، وشعاره في ذلك كله: "ما لم تخطط فأنت ضمن مخططات الآخرين".الدَّيْن حل سهل ذو عواقب وخيمةبالعودة لأهل الخيار الأول، ألا وهو الصرف اللامسؤول على الفعاليات، فإن أحد أهم مصادر هذا الصرف سيأتي، وللأسف الشديد، من الاقتراض، حيث يمثل هذا الحل درباً سهلاً متاحاً للعديد من الأفراد خصوصاً أولئك الذين لا يحسنون الادخار ولا يدركون مخاطر الديون على الأفراد، تلك الديون التي لم ترحم طوال تاريخها الموغل بالقدم الأفراد والشركات بل حتى الدول والإمبراطوريات من الوقوع تحت رحمتها وخنقها بأغلال يصعب، إن لم يكن يستحيل الفكاك منها. وفي الوقت الذي يعزز الاقتراض من أداء البنوك وينعشها، فإنه يشكل عامل خطر على المقترضين خصوصاً عندما يكون الاقتراض في غير الحاجات الأساسية للفرد من كماليات وغيرها، ولا أصح من مقولة سكوت غالواي في كتابه "Richer, Thinner, and Happier": "الدَّين أكثر طريقة موثوقة لإبقائك فقيرا".من الادخار للاستثمارلا تقتصر فوائد الادخار على حفظ ثروة الشخص فقط، بل تتعداها للمساهمة في تنمية هذه الثروة، وذلك من خلال الاستثمار كذلك، حيث تشكل مدخرات الشخص أساساً قوياً للبدء في الاستثمار بقلب قوي لا يخشى عواقب الدَّين. فالاستثمار من حر مالك هو استثمار أكثر أماناً من ذلك الذي يعتمد على الدَّين. ومن هذا المنطلق تصبح المناسبات العالمية التي تستضيفها الدول فرصة لمواطنيها والمقيمين فيها للاستثمار في الشركات التي تنتعش خلال فعاليات هذه المناسبات، حيث يكون بالإمكان شراء أسهم هذه الشركات قبل فترة كافية من بدء الفعاليات للاستفادة من العوائد التي ستجنيها والتي ستنعكس على أسعار أسهم هذه الشركات بصورة إيجابية. من المهم كذلك أن تخصص الدول جزءاً كبيراً من إنفاقها المخصص للمناسبات الدولية ليكون من نصيب الشركات المدرجة في البورصة، وذلك لكي تتيح الفرصة لمواطنيها للاستثمار في هذه الشركات ومشاركتها أرباحها.نعمة أم نقمة؟لا شك أن النظرة الفاحصة والدراسات المهنية المعتبرة هي السبيل الوحيد للوقوف على فوائد وعيوب استضافة الدول للمناسبات العالمية والإقليمية. وبخلاف السمعة العالمية التي عادةً ما تحصل عليها الدول المضيفة، فإن مراعاة العوامل الاقتصادية غاية في الأهمية، سواء على مستوى الدولة أو مواطنيها. وفي هذا السياق من المهم دراسة الأثر الاقتصادي على الدول التي استضافت فعاليات عالمية من بطولات كأس عالم أو أولمبياد أو معارض إكسبو أو غيرها، وذلك للوقوف على تفاصيل قد تكون بالغة الأهمية للدول التي تفكر في فعل الشيء ذاته، وبالتالي الاستعداد بصورة أفضل وتجنب المشاكل التي وقع فيها مَن سبقها من دول مستضيفة.  كلمة أخيرةكل ما سبق في هذا المقال يختص بأثر إقامة البطولات والمناسبات العالمية والإقليمية على مواطني الدول المستضيفة من جهة إنفاقهم على فعالياتها وأنشطتها المختلفة، ولا يتعلق بفوائد هذه المناسبات على الدول اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. فهذا مبحث آخر ذو منطلقات مختلفة تماماً.
Ad