تشهد شركة المشروعات السياحية في المرحلة الحالية تحولاً واضحاً في توجهاتها التشغيلية يتمثل في التوجه المتزايد نحو سياسة تأجير مرافقها السياحية بدلاً من تشغيلها وإدارتها بشكل مباشر.
ويأتي هذا التوجه في وقت تمتلك الشركة أصولاً ومرافق مهمة كان يفترض أن تساهم في زيادة الإيرادات وتعزيز دورها في تنشيط السياحة المحلية، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذا الخيار وتأثيره على العوائد ودور الشركة المؤسسي.
سياسة التأجير في أصلها خيار يميل إلى التحفظ إذ تساهم في تقليل المخاطر التشغيلية وتوفير دخل وإيرادات شبه ثابتة خصوصاً في ظل التقلبات وارتفاع تكاليف التشغيل.
غير أن المبالغة في الاعتماد على هذا الأسلوب قد يؤدي مع الوقت إلى تراجع دور الشركة من جهة تشغيلية واستثمارية نشطة إلى مجرد مالك أصول يحقق عوائد محدودة، لا تعكس القيمة الفعلية لما تمتلكه من مرافق ومواقع مميزة، مما يطرح تساؤلات حول مدى استغلال الشركة لإمكانياتها أو الاكتفاء بعوائد متواضعة.
الإشكالية الأكبر لا تقتصر على حجم الإيرادات فقط بل تمتد إلى الجانب الإداري والتنظيمي للشركة، فوجود إدارات تشغيلية وفنية وتسويقية ومالية وهيكل وظيفي متكامل يفترض أن يكون هدفه إدارة المشاريع وتشغيلها بشكل مباشر وتحقيق قيمة مضافة عبر رفع الكفاءة وزيادة العوائد.
أما عند الاكتفاء بتأجير المرافق، فإن دور هذه الإدارات يتراجع بشكل واضح، ويتحول بعضها إلى عبء إداري لا ينسجم مع طبيعة النشاط القائم.
وهنا يطرح تساؤل أساسي حول جدوى استمرار الهيكل الحالي للشركة إذا كان خيار التأجير هو التوجه المعتمد؟ فإدارة المرافق المؤجرة تقتصر في الغالب على متابعة العقود والتزامات المستأجرين، وهي مهام محدودة يمكن تنفيذها من خلال هيكل إداري أبسط وأكثر مرونة.
وعليه، فإن الإبقاء على هيكل تشغيلي واسع في ظل هذا المسار قد ينعكس سلباً على مستوى الكفاءة ويؤدي إلى تضخم المصروفات الإدارية دون مردود فعلي على الإيرادات.
في المقابل، يفتح التشغيل المباشر للمرافق السياحية مجالاً أوسع لتحقيق عوائد أفضل، إذ تحصل الشركة على الإيرادات كاملة بدلاً من الاكتفاء بعوائد إيجارية محدودة، كما يتيح لها التحكم بمستوى الخدمات وتطوير المنتجات السياحية وبناء اسم تجاري وطني قادر على المنافسة، وهي أمور يصعب تحقيقها ضمن نموذج التأجير.
ويضاف إلى ذلك أن التشغيل المباشر يمنح الشركة مرونة أكبر في التفاعل مع تغيرات السوق وابتكار أنشطة وبرامج جديدة تعزز الجذب السياحي وترفع نسب الإشغال والإنفاق.
ولا يمكن تجاهل الجانب الاستراتيجي لشركة المشروعات السياحية باعتبارها جهة تابعة للدولة تهدف لتطوير السياحة، وليست مجرد كيان يركز على الربح وتقليل المخاطر.
فالتشغيل المباشر يمنحها فرصاً أكثر لخلق وظائف ونقل الخبرات وبناء كفاءات وطنية، كما يدعم الموردين المحليين المرتبطين بالقطاع السياحي.
أما الاعتماد على التأجير، فيجعل كثيراً من هذه الفوائد تنتقل لمشغلين خارجيين قد تكون أولوياتهم مختلفة عن أهداف التنمية طويلة المدى.
صحيح أن التشغيل المباشر له تحديات، مثل ارتفاع التكاليف الاستثمارية والتشغيلية، والحاجة لخبرات متخصصة، ومخاطر تقلب الطلب، لكن هذه المشاكل ممكن التعامل معها بحوكمة جيدة، وشراكات تشغيلية محسوبة، واعتماد نماذج عمل مرنة تجمع بين الكفاءة والبعد التنموي.
كما أن وجود إدارات متخصصة وهيكل مؤسسي كامل يفترض أن يكون نقطة قوة تساعد على مواجهة هذه التحديات لا مبرر للانسحاب منه، وفي ضوء ما سبق، يبدو أن تحويل التأجير إلى سياسة دائمة قد يمنع شركة المشروعات السياحية من استغلال كامل قدراتها ويضعف مبررات وجودها في هيكلها الحالي.
والأفضل للشركة من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية أن تعيد النظر في هذا التوجه وتميل أكثر نحو التشغيل المباشر لمرافقها، بما يضمن تعظيم العوائد، وتعزيز الدور المؤسسي، وتحقيق قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني.
ختاماً، ان مستقبل شركة المشروعات السياحية يتوقف إلى حد كبير على وضوح رؤيتها الاستراتيجية وتوازنها بين إدارة المخاطر وتعظيم العائد، والتشغيل المباشر، رغم ما يحمله من تحديات، يظل الخيار الأكثر انسجاماً مع طبيعة أصول الشركة، وهيكلها الإداري، والدور المنوط بها في دعم وتنمية القطاع السياحي.