الجدل الدائر اليوم حول أوكرانيا يُعيد إلى ذهني الجنرال دوغلاس ماك آرثر، رمز النزعة الأميركية المتصلبة في الحرب الكورية. كان ماك آرثر يرى أن النصر يستحق توسيع الحرب حتى داخل الصين. الرد الأميركي، آنذاك، كان حاسماً: لا. الهدف لم يكن الانتصار المطلق، بل إنهاء الحرب بشروط يمكن احتمالها. هذه المفارقة التاريخية تعود اليوم في النقاش حول أوكرانيا.

كثيرون في الغرب يتعاملون مع احتمال تسوية بوساطة دونالد ترامب وكأنها خيانة مسبقة. المدهش أن هؤلاء يتجاهلون ما يقوله الأوكرانيون أنفسهم. كييريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات الأوكرانية السابق والمقرَّب من الرئيس فولوديمير زيلينسكي، يلمِّح بوضوح إلى أن نهايةً للحرب برعاية ترامب باتت ممكنة، بل ومقبولة. هذا يُربك محللين ما زالوا مقتنعين بأن ترامب أداة روسية، لأنه يرفض مجاراة فلاديمير بوتين في التصعيد.

لكن الواقع أبسط من هذه السرديات الأخلاقية. فكرة التنازلات الإقليمية لم تعد من المحرَّمات داخل أوكرانيا، حتى بين مَنْ يقاومون الاحتلال. أبحاث ميدانية تشير إلى قبول متزايد باتفاق «جيد بما يكفي». أما الدعم الأميركي المتقطِّع، فلم يبدأ مع ترامب، بل في عهد جو بايدن، لا لغياب التعاطف، بل لأن واشنطن تعرف حدود القوة. ترامب، حتى إن لم يهتم بالقضية أخلاقياً، يفهم أن وقف إطلاق نار يحفظ استقلال أوكرانيا وقُدرتها الدفاعية يخدم المصالح الأميركية.

Ad

أوروبا أيضاً بدأت تُدرك واقعاً جديداً: لم يعد الخوف من تخلي واشنطن عن أوكرانيا هو المشكلة، بل احتمال أن تملّ إدارة ترامب من محاولة إنهاء الحرب. وفي المقابل، تُطرح حجة مريحة مفادها أن بوتين لا يستطيع إنهاء الحرب لأن أوكرانيا ناجحة. هذه قراءة خاطئة، فالحرب نفسها انطلقت من وهم روسي بانتصارٍ سريع.

سيأتي وقت يفضِّل بوتين وقف إطلاق النار على استمرار النزيف. وعندها، سيكون على المعلِّقين الغربيين أن يقرِّروا: هل يصغون إلى الأوكرانيين إذا دافعوا عن الاتفاق الذي وقَّعوه، أم يهاجمونه حفاظاً على سُمعتهم؟ لأن رد الفعل الغربي الغاضب هو بالضبط ما تحتاجه الدعاية الروسية.

الحقيقة أن أوكرانيا، حتى من دون «الناتو» أو قوات غربية، أوقفت روسيا عند حدِّها. وأي نهاية للحرب اليوم لن تكون سوى علامة تعجب أخيرة على مسار التراجع الروسي.

* هولمان دبليو جنكينز الابن