يمرّ العالم بمنعطفات خطيرة قلبت قواعد السياسة الدولية وحوّلتها لمفهوم البلطجة بوفاة المرحومة «منظمة الأمم المتحدة»، وكانت واضحة منذ دعمت أميركا إسرائيل بأكبر عملية اغتيال كلّفتها أربعين مليون دولار لأطنان الصواريخ والغارات لاغتيال الأمين العام للجنوب اللبناني في سبتمبر 2024، ثم قصفت أميركا وإسرائيل إيران خلال اثني عشر يوماً في يونيو العام الماضي، ولما استباحتا كل شيء، ضاربتين العالم بعرض الحائط، قصفت إسرائيل دولة قطر الشقيقة في سبتمبر أيضاً، مستهدفة قادة «حماس». 

فبعد هذا الانتهاك للمحرّمات الدولية، وإن كنا نؤيد قصف مكانين منهما، شريطة غطاء دولي، استفحلت أميركا في بلطجتها واختطفت بطريقة «الكاوبوي» رئيس فنزويلا وزوجته، وذلك يعني أن العالم أضحى من غير شرطي مرور ولا آداب، فأميركا الآن تصول وتجول وتهدّد إيران بأساطيلها وتلمّح بـ «النووي» وتربطه بقتل المتظاهرين! وهو ما يزيدنا اليوم قلقاً حين نتذكر كارثة الغزو، التي تمرّ ذكراها هذه الأيام كجزء من الشهور السبعة الآسنة، وخصوصاً حين نُسقط أحداث الغزو على معطيات الوضع الحالي، فكيف سنوحّد هذا العالم المتفكك سياسياً والمنهك اقتصادياً لإنقاذنا؟ وكيف سنواجه بلطجة الإدارة الأميركية وابتزازها؟ وكيف سنتصدى لاستغلال إيران وسيطرتها على القرار السياسي العراقي؟ أسئلة تصيبنا بالغثيان، لذلك ذكرنا منذ أسبوعين أهمية توحُّد دول الخليج عسكرياً بمفهوم الكونفدرالية. نحن على ثقة بتماسك الإخوة والأشقاء بالخليج وعودتهم صفاً واحداً لوحدة المصير، على ثقة لأننا مررنا بتجربة ولمسنا درجة التلاحم خلال حرب تحرير الكويت، وما زلنا نعيش ذكرياتها، رغم مرور خمسة وثلاثين عاماً، وعلينا كمثقفين عدم إعادة نشر مقولة أو مقال أو صورة بأي من وسائل التواصل والإعلام، من شأنها إشعال فتنة بين دول مجلس التعاون، ولو بحُسن نيّة، والتحذير منها، لأن البسطاء والسفهاء سيعيدون نشرها لتنتشر كالنار في الهشيم، ولذلك يجب أن نجعلها تتوقف عندنا، وهي كذلك مسؤولية الكُتّاب والناشطين أن يرأبوا الصدع، لا أن يباعدوا بين شروخه بمقال نشاز أو بتغريدة نتنة كأسلوب صاحبها.

إن التاريخ العريق للعلاقة الكويتية - السعودية الاستراتيجية والمصيرية في أحداث الحرب والسِّلم والتضامن والرجوع للسلطة منذ المؤسسَين عبدالرحمن آل سعود ومبارك الصباح في القرن التاسع عشر وحتى الغزو والتحرير، وإلى يومنا هذا، يجسّد عمق هذه العلاقة، وكذلك التاريخ الكويتي والإماراتي على مرّ العقود من الأخوة والعطاء والتلاحم، ومتجسّداً أثناء الغزو، علاقات مصيرية أصيلة ندعو المولى أن تبقى وتعود أقوى بين دول الخليج، فالشهادات التاريخية الفارقة تعبّر عن أركان هذا التلاحم الفريد وتنير عباراتها أروقة علاقاتنا الأخوية، كذكرى مقولة قالها الملك فهد، طيّب الله ثراه، قبل 35 عاماً في مثل تاريخ الجمعة قبل الماضي 23/ 1/ 1991: «يا تبقى الكويت والسعودية يا تنتهي الكويت والسعودية»، ومقولة للشيخ زايد، طيّب الله ثراه: «الكويت... سترجع لأميرها وشعبها»، فهكذا ستعود دول الخليج وتبقى منذ مقولتَي الملك فهد والشيخ زايد. 

Ad

***

إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.