طرحت «فايننشال تايمز» قبل فترة سؤالاً بدا دبلوماسياً في صياغته، مباشراً في دلالته: «لماذا تحتضن أوروبا أقوياء الشرق الأوسط؟». غير أن السؤال، إذا أُزيحت عنه المجاملة، يفترض أن يكون أوضح وأقسى: لماذا تدعم أوروبا المستبدين في الشرق الأوسط؟
الولايات المتحدة، بوصفها رائدة المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية - أو بلغة أدق، النفعية - كانت سبّاقة في هذا النهج. وقد جاء دونالد ترامب أكثر صراحة من أسلافه في إعلان دعمه لقوى الاستبداد في المنطقة، متخلياً حتى عن اللغة التلطيفية التي اعتادت الإدارات السابقة استخدامها.
ليس هذا السلوك جديداً. فالتاريخ الإمبريالي للدول الغربية لم يكن يوماً مكترثاً، في جوهره، بحقوق الإنسان أو الحريات أو الديموقراطية. ومع ذلك، شهدت مراحل سابقة قدراً من التحفّظ: نصائح خجولة، ضغوط محدودة، ومطالبات بالالتزام بالحد الأدنى من الحقوق. اليوم، تلاشى ذلك كله. تُرتكب في عدد من دول الشرق الأوسط انتهاكات فادحة لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، دون أن نسمع اعتراضاً أو حتى تحفظاً جدياً من العواصم الأوروبية، رغم أن كثيراً من هذه الدول كان خاضعاً تاريخياً للاستعمار البريطاني أو الفرنسي.
تقول «فايننشال تايمز» إن «مسؤولين أوروبيين يعترفون بأن التناقض بين الخطاب والممارسة أضعف مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عالمي عن حقوق الإنسان». ويشير منتقدون إلى ازدواجية المعايير: تشددٌ مع دول صغيرة وفقيرة مثل ميانمار وكمبوديا، ولينٌ واضح أمام دول «أكثر أهمية استراتيجية».
هنا، يخرس الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تماماً عن أبشع الانتهاكات حين تقع في دول تُصنَّف «استراتيجية». قد يُفهَم هذا الصمت بوصفه مراعاةً لمصالح اقتصادية آنية، لكن ماذا عن المدى البعيد؟ ماذا لو ثار شعب من شعوب المنطقة على الطغيان، كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979؟ أين ستذهب تلك المصالح حينها؟ أليس في هذا النهج قصرُ نظرٍ سياسي، حين تُنفى الأخلاق كلياً من عالم السياسة؟
إن ادّعاء الدفاع عن حقوق الإنسان، دون استعداد لتحمّل كلفة هذا الادّعاء، لا يفرغ الخطاب من معناه فحسب، بل يقوّض أيضاً الثقة العالمية في منظومة القيم التي يرفعها الغرب. فالمصالح قد تتبدّل، أما آثار الصمت - حين يُطبَّع مع القمع - فتبقى.