​تعيش منظمة الأمم المتحدة، وقد احتفلت مؤخراً بمرور ثمانية عقود على تأسيسها، أزمة حادة ومصيرية تتعلق بها كمنظمة دولية تضم 193 دولة تمثل المجتمع الدولي، وتُطرح تساؤلات وتحوم شكوك بخصوص استمرارية نشاطات هيئاتها وفعالية قرارتها، وعمل مختلف وكالاتها المتخصصة وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها وخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من 66 منظمة دولية من بينها 31 منظمة مرتبطة بالأمم المتحدة، مما استتبع التأثير على ميزانيات المنظمات المرتبطة بهذه المنظمة وبرامجها.

 ​لقد جرت محاولات عديدة بغرض إصلاح الأمم المتحدة من خلال إعادة النظر مثلاً في تركيب مجلس الأمن التابع لهذه المنظمة وبشكل يسمح بتمثيل عادل ومناسب للدول التي أصبح لها وزنها جغرافياً، واقتصادياً، ومالياً، وعسكرياً وخاصة فيما يتعلق بالأعضاء الدائمين فيه، فلا يمكن الاقتصار فقط على خمس أعضاء دائمين (الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا، وفرنسا، والاتحاد الروسي، والصين) والتي تملك حق النقض، وأن ننسى دولاً أوروبية، وآسيوية، وإفريقية لها وزنها اليوم على المسرح الدولي، ولا يكون لها حضور دائم في هذا المجلس وتملك هذا الحق أيضاً تبعاً لدور هذه الدول في مجريات الأحداث على المسرح الدولي وتطور العلاقات الدولية.

 طرحنا مثالاً يتعلق بمجلس الأمن، وهو واحد من أمثلة أخرى تتعلق بهيئات أخرى للأمم المتحدة بحاجة لإصلاح هياكلها المؤسساتية والمالية وتعزيز نشاطاتها، ناهيك عن ضرورة إعادة النظر أيضاً في أنظمة وكالاتها المتخصصة وآليات عملها وطرق اختيار رؤساء هذه الوكالات ومسؤولياتهم وواجباتهم.

Ad

​القصد هو التذكير بالمحاولات التي جرت خلال عقود بقصد إصلاح الأمم المتحدة ولكنها لم تخرج فعلياً إلى حيز الوجود وبقيت المنظمة على حالها مع بعض التعديلات البسيطة والتي لم تصل بها إلى المستوى المطلوب إلى أن جاءت الأزمة الحالية التي تعيشها الأمم المتحدة وما هو مأمول سعياً لعدم تفاقم هذه الأزمة أو تخفيف آثارها السلبية لو تتم عمليات الإصلاح على مراحل وفترات زمنية مختلفة.

نتحدث عن أزمة يعيشها المجتمع الدولي وتعاني منها منظمة الأمم المتحدة تبعاً لمحاولات التأثير على ميزانيتها والحد من نشاطاتها، ناهيك عن تهديد وجود مجلس الأمن بالذات والسعي لاستبداله، وهو ما يجب أن يشكل بحد ذاته حافزاً قوياً للمنظمة للبدء بعملية إصلاح فعلية وجدية، من خلال تعديل ميثاق المنظمة وإعادة النظر بأمور منها: زيادة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وتوسيع صلاحيات الجمعية العامة لتسمح برقابة على مجلس الأمن، والبدء بعملية إصلاح مالي وإداري وضمان الشفافية في ميزانية مختلف إدارات المنظمة، ومراجعة نظام المجلس الاقتصادي والاجتماعي وتطويره، وتنظيم علاقات المنظمة مع وكالاتها المتخصصة والتنسيق فيما بين هذه الوكالات، وتعزيز السلطة القضائية لمحكمة العدل الدولية ودعم ما يصدر عنها من قرارات وأحكام وآراء استشارية، وتنظيم وتعزيز علاقة الأمم المتحدة مع المنظمات الإقليمية. يمر المجتمع الدولي بمرحلة جديدة ويجب أن تكون عملية إصلاح الأمم المتحدة خطوة أساسية لتنظيم علاقات دول هذا المجتمع مع هذه المنظمة التي تسعى لدعم القانون الدولي، وحفظ السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان.

 

* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا