على المستوى الشخصي أؤمن بأن حُرية الاعتقاد والتعبُّد من أسمى الحُريات الإنسانية وأكثرها حساسية، فهي تتصل بأعمق جوانب الوجدان الإنساني وهويته، لكن هذه الحُرية، كغيرها من الحُريات، لا تعني الفوضى أو التعدي على حقوق الآخرين، بل هي مسؤولية فردية في إطارٍ اجتماعي.

السؤال الجوهري يدور حول كيفية التوازن بين الحق الشخصي في ممارسة المُعتقد، والحق الجماعي في العيش المشترك بسلامٍ واحترام.

إن جوهر الحُرية الحقيقية يكمن في المسؤولية، فكما أن للفرد الحق في اختيار معتقده وممارسة شعائره، فإن للآخرين الحق ذاته، وهذا يعني أن حُرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حُرية الآخرين، فالممارسات التعبُّدية التي تُسيء إلى معتقدات الآخرين، أو تمنعهم من ممارسة حقوقهم المدنية، أو تخلُّ بالأمن العام، تفقد شرعيتها الأخلاقية.

Ad

على ذات المسار، فإن القوانين يجب ألا توجه إلى قمع الحُريات، بل إلى تنظيمها، ولضمان ديمومة التعايش السلمي، فالقانون هو أحد ركائز العقد الاجتماعي، وعندما ينظم القانون الممارسات الدينية، فإنه يجب ألا يفعل ذلك انتقاصاً من الحُرية الفردية، بل لحماية الحُرية الأعم، حُرية الجميع في العيش بسلام، فكما أنه يحمي الأقليات الدينية من طُغيان الأكثرية، فإنه في ذات الوقت يحمي المجتمع من التطرُّف.

تتشكَّل المجتمعات عبر تاريخٍ طويل من القِيم والعادات المشتركة، التي تُصبح جزءاً من نسيجها الاجتماعي، ومراعاة الذوق العام والأعراف الاجتماعية لا تعني الخضوع الأعمى للتقاليد الراكدة، بل هي احترام للغة العيش المشترك والتنوُّع الثقافي.

الإسلام، على سبيل المثال، رسَّخ مبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، وقدَّم أساساً شرعياً لتنظيم الممارسة الدينية بروح المسؤولية الاجتماعية.

من المسلَّمات أن هناك فرقاً جوهرياً بين ممارسة الحُرية العقائدية وبين واستغلالها لأغراض دنيوية، أو لتحقيق مكاسب مادية، أو لبث الكراهية، وأعتقد أنه انحراف خطير يهدد نسيج المجتمع، كما أن استخدام الحُرية الدينية كذريعة للتمييز ضد فئات معينة، هو انتهاك صريح لمبدأ المساواة والعدل الذي تقوم عليه المجتمعات المدنية.

خاتمة:

- حُرية الاعتقاد ليست جزيرة معزولة، والمجتمع المسؤول هو القادر على تحقيق المعادلة الصعبة، من خلال احترام مفهوم التعددية العقائدية، وحكمة جماعية في صياغة القوانين، وحوار دائم بين جميع مكونات المجتمع، فالدِّين في جوهره الروحي يدعو إلى السلام والعدل، وعندما تتحوَّل ممارسته إلى سببٍ للشقاق أو الظلم، حينها تخرج عن غايتها السامية.

- حُرية الاعتقاد المسؤولة هي التي تعرف حدودها بحدود حُرية الآخرين، وتُدرك أن الحق لا يلغيه حق، بل يكتمل به، والحذر من إعادة ذات السيناريو بالمنطقة، ويكفينا ما مرَّت به منطقتنا من حروبٍ كانت شرارتها طائفية الإقصاء، وما ترتب عليها من قتلٍ وتشريد على الهوية، ودمار للبنى التحتية، ليبقى المستفيد الوحيد هم أعداء الإسلام والمسلمين، الذين استفادوا منها واستغلوها أيما استغلال.

ودمتم سالمين