الكويت لم تحتج يومًا أن تُعرّف نفسها.

Ad

كانت معروفة… قبل أن يصبح التعريف مشروعًا.

اليوم، تُدار القوة الناعمة كعلامة تجارية، وتُقاس بالانتشار وقيمة الاسم في الوعي العام. غير أن الكويت سبقت هذا المنطق بزمن، حين عاشت قوتها سلوكًا يوميًا قبل أن تتحول إلى مصطلح.

لم تدخل الكويت بيوت الناس عبر الإعلانات، بل عبر الفن. المسرح، والدراما، والصحافة، صنعت حضورًا ثقافيًا ظل راسخًا في الذاكرة العربية. أسماء أماكنها وعناوين أعمالها الفنية صارت مألوفة خارج حدودها، حتى إنك حين تزور الكويت للمرة الأولى تشعر أنك تعرفها من قبل. هذا الإحساس ليس عابرًا، بل نتاج ثقة طويلة.

الفن الكويتي لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل أداة ألفة. والألفة صنعت ثقة، والثقة تحولت مع الوقت إلى نفوذ هادئ. نفوذ لا يرفع صوته ولا يحتاج إلى تعريف نفسه. الفرق واضح بين دولة تحاول إقناع الناس بها، ودولة يقتنع بها الناس دون جهد.

أنت لا تحتاج أن تُشرح لك الكويت.

أنت تعرفها.

وهذا بحد ذاته، قوة.

ولم تكن هذه الروح حكرًا على الداخل الكويتي، بل امتدت للخارج بوصفها مبدأ لا شعارًا. الكويت، منذ بداياتها، تعاملت مع محيطها من قناعة واضحة: «ما عندي لغيري». عطاؤها الإنساني وحضورها التعليمي والتنموي في دول عديدة منذ خمسينات القرن الماضي لم يكن استعراضًا، بل تعبيرًا عن فهمها لمسؤولية الدولة.

ثم جاءت المحنة. الغزو لم يكن حدثًا سياسيًا فقط، بل اختبارًا للهوية. كان يمكن للكويت أن تخرج بخطاب غضب دائم، لكنها اختارت مسار الاتزان. خرجت أكثر تمسكًا بمبادئها، وأكثر قناعة بأن المنطقة تحتاج إلى السلام أكثر مما تحتاج إلى ضجيج الحروب. هنا تحولت القوة من ثقافة إلى موقف.

وحين تتحول القوة إلى موقف، فإنها لا تبقى حبيسة الداخل، بل تُقاس بقدرتها على بناء الثقة في محيطها القريب.

في مساعي قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، برز الدور الكويتي كداعمٍ سياسي ودبلوماسي مبكر، قاده أمير الكويت آنذاك الشيخ صباح السالم الصباح إيمانًا بضرورة قيام دولة اتحادية مستقرة في الخليج. ولم يظل هذا الدعم موقفًا نظريًا، إذ افتتحت الكويت سفارتها في العاصمة أبوظبي عام 1972، بعد أشهر من إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة، تأكيدًا عمليًا على ثقة سبقت الزمن.

ويأتي الاحتفاء اليوم بأكثر من خمسة عقود من العلاقات الإماراتية–الكويتية، بتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، عرفانًا بما قدمته دولة الكويت الشقيقة قبل الاتحاد واستمر بعده، وفي ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، بما يعكس علاقة تُجدَّد بالثقة لا بالمجاملات.

لهذا، حين نتحدث عن قوة الكويت، فنحن لا نصف صورة مصنوعة ولا حملة ناجحة، بل سلوكًا طويل النَفَس، ودولة لم تُفرض على الناس… بل استقرّت في وجدانهم.

الكويت قوية،

لأنها لم تحاول يومًا أن تُقنع أحدًا بذلك.

* - إعلامي وكاتب صحفي –