ممتعة وشائقة تلك الرحلة التاريخية التي استضافنا فيها الأكاديمي د. هشام العوضي في كتابه «مما غاب عن ذاكرة المؤرخ» الثري بالمعلومات التاريخية التي وسّعت مداركنا إلى الدور الفاعل والمنجز للشرائح الاجتماعية الوسطى والفقيرة والأقليات المهمشة التي ساهمت في صياغة الأحداث التاريحية من خلال اصطفافها وبالتالي ترجيحها إحدى القوى الاجتماعية والسياسية المتصارعة ضد الأخرى.  

بعيداً عن رتابة السردية المملة والمنحازة غالباً في العديد ممن كتب عن تاريخنا المحلي بالذات، يوضح د. هشام ذلك من خلال استعراض الملاحظات الدقيقة والتقارير الشاملة والمراسلات المتبادلة التي رصدها الوكلاء السياسيون والرحالة والمبشرون الأجانب عن مختلف تفاصيل مناحي الحياة بكل دول المنطقة، مع عدم إغفاله للدور الاقتصادي والثقافي حتى السياسي للهجرات البشرية المتبادلة بين ضفتي الخليج العربي.

يعيد د. العوضي ذاكرتنا إلى الانفتاح الثقافي والتسامح الديني والتعايش مع الآخر المختلف الذي تميز به المجتمع الكويتي قديماً، ذاكراً بعضاً من تاريخ اليهود والمسيحيين والبهائيين حتى العبيد في الكويت، مما ساهم في تشكيل الذهنية والنفسية والذائقة الكويتية المعاصرة بانفتاح أفقها وتقبل المجتمع لمفردات الحداثة بكل سلاسة.

Ad

الكتاب في مكنونه وتفاصيله يتغلغل إلى زوايا الحياة الاجتماعية مروراً بأنماط الاقتصاد القديم والتحولات الاقتصادية الجديدة الطارئة وما ترتب عليها من تغيرات في العلاقات الرأسية بين الطبقات الاجتماعية من ناحية والنخب الاقتصادية والسلطة التاريخية الحاكمة من ناحية أخرى.

يلقي د. العوضي الضوء على أهمية الأدوار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لسكان البادية وعريبدار والقرى الكويتية كالجهراء والفحيحيل وغيرها...، إضافة إلى تأثير التقسيمات الاجتماعية، الطبقية والعرقية والطائفية على مجمل الأحداث السياسية في القرن الماضي.

جلّى العوضي العلاقة الوثقى المتبادلة بين أحمال جمال الصحراء وبين بضائع وسفن الغوص والتجارة، حينما تتبادل وتتكامل دورة الحياة الاقتصادية بين البادية والمدينة بتبادل المصالح والمنافع حينما لم يكن لاقتصاد النفط ذكرٌ قط. 

سطر د. العوضي تاريخاً مستحقاً للمهمشين لا الهامشيين بتعبير الكاتب عبدالرحمن الإبراهيم في كتابه الرصين بنفس العنوان وبما يمكن اعتباره يصب في نفس المسار الفكري لكتاب العوضي.

ما يميّز كتاب د. العوضي محاولته التقاط الإشارات التاريخية المتناثرة من مراجع محلية وأجنبية وأكاديمية عن «المنسيون» ويقصد بهم تاريخ الأطفال والمتسولين والمرضى والعميان والمجرمين الذين أسقطهم المؤرخون عن الذاكرة، فهؤلاء بنظر المؤرخين لا دور ولا أثر لهم بالمجتمع.