في المدارس والبيوت نرى مشهداً يتكرر بهدوءٍ مخيف: أبناءٌ يحفظون المطلوب، يُنجزون الواجب، ويعرفون كيف ينجحون في الامتحان... لكنهم يتلعثمون إذا سُئلوا: لماذا تتعلّم؟ ماذا تريد أن تصير؟ ما معنى هذا كله لك أنت؟
هذا ليس كسل جيلٍ جديد، بل نمط تربيةٍ قديم: تربية الأداء قبل المعنى. نحن بارعون في صناعة طالبٍ يُرضي النظام، وأقل براعة في صناعة إنسانٍ يفهم نفسه داخل هذا النظام. وحين يتحول التعليم إلى سباقٍ على الدرجة، تصبح الحياة المدرسية لعبة نجاةٍ لا رحلة اكتشاف، ويصير «المطلوب» سقفاً منخفضاً نُقنع أبناءنا أنه سماء.
نظرية الدافعية الذاتية كما عرضها Ryan وDeci (2000) تُذكّرنا بأن الإنسان لا يتحرك فقط بالجزاء والعقاب، بل يحتاج إلى ثلاث حاجات نفسية عميقة: الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط. حين تُدعَم هذه الحاجات تنمو الدافعية الداخلية، ويصبح التعلّم أقرب إلى حياةٍ يعيشها الطالب لا مهمةٍ ينجو منها. هذا الفرق ليس تنظيرًا تربويًا، إنه تفسير لما نراه يومياً: طالبٌ يلمع لأن الفكرة تخصّه، وآخر يذبل لأن التعلُّم صار عبئاً اجتماعيًا لا علاقة له بذاته.
وتُعزز ذلك تحليلات حديثة في إطار النظرية، فمراجعات واسعة مثل Howard et al. (2021)
وBureau et al. (2022) تشير إلى أن أشكال الدافعية الأكثر «ذاتية» ترتبط عادةً بمثابرة أعلى، وتجربة مدرسية أهدأ، ونتائج أفضل، بينما ترتبط الدافعية المدفوعة بالضغط أو الخوف بعلاقة أضعف بالتعلم ورفاه أقل. وكأن السؤال الحقيقي ليس: هل ينجح الطالب؟ بل: بأي نفسٍ ينجح؟
ولا يعني هذا أن المكافآت شرّ مطلق، لكن الإفراط في المكافآت الملموسة والمتوقعة قد يسرق من الطالب متعة المعنى. المراجعة التحليلية الشهيرة لـ Deci وKoestner وRyan (1999)، والتي راجعت 128 دراسة، وجدت أن أنواعًا من المكافآت المادية قد تُضعف الدافعية الداخلية عندما يشعر المتعلم أن دافعه صار «خارجياً» أكثر مما هو «ذاتي».
لهذا قد ترى طالباً يركض خلف الدرجة لا خلف الفكرة، يخاف من الخطأ أكثر من حماسه للسؤال، ويقيس قيمته بما يراه الآخرون في ورقة النتائج لا بما يشعر به تجاه ذاته. وحين يتخرّج، يحمل شهادةً ممتازة... لكنه يحمل معها فراغ «السبب».
وربما يبدأ ترميم هذا الفراغ من لغتنا اليومية معه: ألا يكون سؤالنا الوحيد «كم جبت؟» بل «ماذا فهمت؟ ما الذي أثار فضولك؟ أين شعرت أنك صرت أقوى؟»
أن نفتح له مساحة اختيارٍ صغيرة داخل التعلم، ونُشعره أن صوته جزء من الرحلة لا زينة في هامشها.
الطالب الذي يعرف المطلوب فقط قد ينجح... لكنه يتعثّر أمام أول سؤال حياة. أمّا الطالب الذي يعرف لماذا يتعلّم، فحتى إذا تعثَّر، يعرف كيف يعود.