كم منّا يحمل ساعة عمره وكأنها قنبلة موقوتة، يُحصي السنوات ويراقب الساعات ويخاف من صوت عقارب الزمن التي تُذكره بأن شيئاً ما «يجب» أن يتحقق قبل أن يرحل؟ هل سألت نفسك يوماً: ماذا لو كُنّا نعيش عُمرنا بدلاً من أن نعيش فيه؟ ماذا لو جعلنا تجاربنا ميزاناً، لا أعمارنا عداداً؟
ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل، حتى نحن، فهذا الأسبوع نخوض مغامرةً واعيةً نعيد فيها تشغيل أعمق علاقاتنا: علاقتنا مع الوقت والعمر. لنسأل أنفسنا: هل نستمر في حمل هذا العبء العددي؟ أم نضغط زر «ريستارت» ونبدأ من جديد بمنظور مختلف؟
لقد حوّلنا العمر من رحلة وجودية إلى جدول زمني قاس. صرنا نعيش تحت طغيان الأرقام، الذي حوّل الرحلة الإنسانية إلى سباق محموم: إنجاز قبل سن محدد، استقرار في عقدٍ بعينه، ونهاية صلاحية غير معلنة لكل حلمٍ تأخّر. هكذا صار العمر سجناً من التواريخ بدلاً من أن يكون مساحة للعطاء. الفارق اليوم ليس بين صغيرٍ وكبير، بل بين من يعيش عُمره بالرقم، ومن يعيشه بالتجربة.
«إدارة العمر لا الوقت» تعني أن تنتقل من سؤال كم عشت؟ إلى كيف عشت؟ أن تختار الإيقاع المناسب لك، لا الإيقاع المفروض عليك. أن تفهم أن التباطؤ أحياناً وعي، وأن التأخير أحياناً نضج... لا فشل. وهذا لأن المشكلة ليست في الوقت الذي ينفد، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. فالعمر ليس رقماً في الهوية، بل هو نغمة في سيمفونية الوجود. وليس خطّاً مستقيماً، بل فصول متعاقبة، لكل فصل طقسه، ودروسه، وحقّه في الاكتمال.
كل مرحلة عمرية تحمل هديتها الخاصة: الطفولة تحمل البهجة والفضول، الشباب يحمل الطاقة والحلم، النضج يحمل الحكمة والعمق، والكهولة تحمل السلام والقناعة. المأساة ليست في التقدم بالعمر، بل في البحث عن كنوز المرحلة السابقة ونحن في مرحلة جديدة.
وهنا يأتي دور الماضي حين نعيد النظر في علاقتنا بالعمر، كثيرون منّا يحملون ذاكرتهم كسجن... يعودون إليه كل ليلة ليعاقبوا أنفسهم على ما فات أو ما أخطأوا. لكنّ الذاكرة ليست سجناً، بل هي مكتبة حكمة. الماضي مدرس عظيم لمن يجلس في مقعد التلميذ، وسجان قاسٍ لمن يختار مقعد المتهم. التجارب الفاشلة ليست فشلاً، بل هي خريطة طريق مرسومة بالخطأ الحكيم.
والأهم من كل هذا، هو تفكيك مفهوم التأخر. لا يوجد عُمر «مثالي» للبدء، بل قلبٌ يجرؤ عليه. فالثلاثون ليست نهاية الربيع، بل بداية الصيف الذي تشتد فيه الجذور. الأربعون ليست نهاية الصيف، بل بداية الخريف، حيث تنضج أولى ثماره. الخمسون ليست انحداراً، بل ذروة الخريف، حيث يكتسي العطاء ألواناً عميقة. الستون ليست شيخوخة، بل خريفاً ناضجاً تُجنى فيه حصيلة الرحلة. السبعون وما بعدها ليست غروباً، بل شتاء الحكمة، يُصان فيه دفءٌ يُورّث. وبهذا، يتسع مفهوم «الأوان» كتتابع الفصول لكل من يقرر أن يعيش.
فلنضغط زرّ «ريستارت» هذا الأسبوع، لا لنعود إلى الوراء، بل لنعيد اكتشاف عمرنا من جديد. لا لنعيش سنوات أكثر، بل لنعيش كل يومٍ بوعيٍ أعمق، فالإنسان لا يُقاس بعدد الأيام التي عاشها، بل بما تبقّى في القلب من لحظاتٍ أضاءته... ودفء لم يَغِب.