نعيش اليوم في عالم غير مستقر، أقوياؤه يتحكمون في بقية الدول، وقد فقد الأقوياء فيه بوصلتهم الإنسانية والتعايش العادل منذ عقدين من الزمان، ومضوا في مسار يُفهم منه رغبة جامحة للعودة إلى النمط الاستعماري القديم الذي كان سائداً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أي ذلك النمط القائم على استباحة الدول الواقعة تحت نفوذهم، أو استعمارها بشرياً ومالياً ونهب الثروات الطبيعية الهيدروكربونية أو المعادن الثمينة.
في عالم هكذا تفكر وتخطط وتعمل قواه الكبرى سيكون اللااستقرار والحروب والاضطرابات المستمرة هي صنوانه وأحواله، وسيستمر ذلك حتى يبزغ فجر نظام عالمي جديد يقوم على مبادئ التعايش واحترام الدول والشعوب الأخرى بمكوناتها المختلفة العرقية والإثنية والدينية، ولا أظن أن النظام العالمي الجديد يبعد عنا سوى عقد من الزمان يزيد أو ينقص قليلاً!
فمسلك الدول العظمى، وخصوصاً أميركا في سلوكها الاستفرادي والتعالي الاستعماري، يكتب آخر فصول عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بقواه وتحالفاته ومناطق نفوذه وقواعده المباشرة وغير المباشرة.
ورغم سوداوية المشهد العام لعالم اليوم المضطرب والقائم على الأطماع والأنانية والاستهتار بالشعوب والدول، فإنني أجد بوادر تدعو للتفاؤل بتحوّل لعالم أكثر عدالة وتعايشٍ واحترام متبادل، سيُبعث من رحم معاناة العالم اليوم المحكوم بالخوف والاضطراب وفرض النفوذ والسطوة الاستعمارية بعقلية لا يمكن لها أن تستمر، كما عبّر عن ذلك رئيس وزراء كندا خلال خطابه في دافوس، وهو تفاؤل حذِر وله بوادره وتحالفاته ومعطياته.
وما يحدث من حالة تمرّدٍ على النظام الدولي ومحاولة فرض نظام دولي جديد وفي معيته تغيير لكل قواعد وآليات النظام الدولي السائد سابقاً ستكون له تداعياته التي ستقصم حالة التفرد والاستفراد وربما تتبعها تغييرات في الحالة القطبية العامة، لنسير نحو عالم جديد يحترم الدول والشعوب وتزال من قاموسه وأدبياته حالات التسلّط ونهب ثروات الشعوب.
وفي خضم هذا التحوّل، لن يستديم أو يستقر كيان صهيوني لقيط مكونه عصابات مدججة بالسلاح وصعاليك مرتزقة من الشتات، مقابل مكوّن عريق وحضاري أصيل وشعب متجذر في أرضه، هم الفلسطينيون بعمقهم العربي وامتدادهم الإسلامي.
فالأول طارئ جاءت به قوة لأرض لا رابطة له فيها ولا بمحيطها ولا شعوبها ولا حضارتها، والفلسطيني نبتت جذوره من أرضها الطاهرة وعروقه الممتدة والمتمددة في أرضها وأشجارها وبين سهولها وهضابها، فالبقاء والديمومة له، والزوال آتٍ على الكيان اللقيط.
فالعالم اليوم يمرّ بمخاض جذري سنرى نتائجه قريباً، والتفاؤل مصدره يقين بأن سنّة الله جارية بشأن تغيير الأحوال، وأن بوادر التغيير حينما يبلغ الاستبداد أقصى درجاته، فتكون تلك هي القشّة التي تنهيه.