لأعمال عدة وأسباب متفرقة، كانت لي زيارات متعددة في غضون العام الماضي لمكتب المحامي الخاص بي، تحديداً أحد المحامين ممن يملكون توكيلاً خاصاً بي مؤخراً. المكتب ليس ببعيد عن سوق المناخ، والوصول إليه والوقوف هناك بسيارتك الخاصة عبارة عن لعبة شطرنج تعتمد على العقل والتكتيك وقليل من الحظ، مع انتشار المقاهي والجلسات الخارجية، ودائماً عند مغادرتي من مكتبه متوجهاً إلى سيارتي، أواجه ذات الفتاة ذات الأشباه الكويتية البحتة وهي جالسة مع سيدتين كبيرتين بالعمر، يشكلان فرقة حراسة مشددة عليها من كل جانب. عموماً كان اللقاء الأول والثاني والثالث صدفة مع تلك المجموعة الأسرية التي تشرح الصدر لتلاحمها وخروجها مع بعض لقضاء وقت ممتع. ومع مضي الأيام والأسابيع والشهور، ورغم تحسن الطقس وبرودته في تلك الأيام، إلا أن عدد الزبائن كان في تناقص على غير المعتاد، وهو أمر كان واضحاً وجلياً.

تعمدت حينها أن أجلس في أحد هذه المقاهي، وقبل أن أسأل النادل عن سبب تناقص الزبائن، عرفت الجواب من عنديات نفسي دون «الاستعانة بصديق» بعد مراجعة الأسعار الخاصة بالقهوة التركية كمقياس لما كان الوضع الحالي. وحينها ومازلت أربط دائماً كلام الناس عن البركة في الراتب كما يتناقلون، وأيضاً أستذكر تقارير التضخم التي تخرج علينا بين الفينة والأخرى. الموضوع جد بسيط، هناك تضخم عالمي ملموس يقدر بحسب البلد والمنطقة والرقعة الجيو-تجارية، وعليه فإن تلكم النسب تتفاوت والقوة الشرائية تتراجع وهكذا. ويتم تحجيم هذا كله بداية من أسعار المقاهي والمطاعم إلى المستلزمات الأساسية للعيش، إما بطريقة صحية وصحيحة أو بحلول رتقية ترقيعية. أما الأولى فهي تتلخص في الحد من الغلاء ورقابة الأسعار، ووضع أسقف وهوامش واضحة للربح وخلافه ومما تجود به قريحة المختصين في المجال، أما الثانية فهي في رفع قيمة كادر أو منحة أو راتب ليلتهمه السوق «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت».

نعم، تحسين عيشة المواطن أولى الأولويات لأي حكومة كانت ومازالت على الكوكب الأزرق، ولكن الكيف والكم يحدده ما يحدده من أمور عدة. وأصبح الأمر واضحاً وجليّاً، ولا تعنيني تقارير القوى الشرائية التي تخرج علينا بل عيني ميزاني، بأن المواطن أصبح غير قادر على التمتع بحياة صحية طبيعية، والدليل مؤخراً كان ومازال في «حملات الغارمين» التي تقوم بها الدولة، فما بالك من كان رب أسرة أو ينفق على أسر وبيوت، ومن كان في خضم بنيان منزل العمر أو خلافه من أمور يتحملها أرباب الأسر؟!

Ad

عموماً أتصور أن الفتاة الآن مع أسرتها الكريمة تحتسي شاي «مخدر» في المنزل والله كريم وهو المستعان.