في توقيت داخلي وإقليمي بالغ الحساسية، قررت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع تمديد مهلتها للقوات الكردية (قسد) لتسليم المناطق الواقعة تحت سيطرتها في محافظة الحسكة بالكامل إلى الدولة، ودمج جميع عناصرها العسكرية والأمنية في وزارتي الدفاع والداخلية، لمدة 15 يوماً، اعتباراً من الحادية عشرة من مساء 24 الجاري.
وفي خطوة وصفت بأنها تهدئة تكتيكية أكثر منها تسوية نهائية، برّرت دمشق قرار تجميد العمليات العسكرية بدعمها العملية الأميركية المعقّدة الجارية لإخلاء سجناء تنظيم داعش من سجون «قسد» ونقلهم إلى العراق، وتفادي أي انفلات أمني.
وأكدت هيئة عمليات الجيش السوري أنها تدرس «الواقع الميداني وتقيّم الحالة العملياتية لتحديد الخطوة القادمة»، في إشارة واضحة إلى أن التهدئة ليست مفتوحة زمنياً، بل مرتبطة بسلوك «قسد» التي اتهمتها دمشق بالاستمرار في الحشد العسكري، وجلب تعزيزات من ميليشيات حزب العمال الكردستاني إلى الحسكة، وارتكاب انتهاكات تشمل الاعتقال والتهجير والتعذيب.
وقبل إعلانها الالتزام بمهلة الـ 15 يوماً، ردّت «قسد» باتهامات مضادة، معتبرة أن حكومة دمشق تمضي في تحضيرات عسكرية رغم وقف إطلاق النار، وأن تحركات الجيش في مناطق الجزيرة وكوباني (عين العرب) تشكّل خرقاً واضحاً للاتفاق، مما يعكس هشاشة التفاهم القائم وعمق فجوة الثقة بين الطرفين.
واتهمت «قسد» القوات الحكومية بشن هجمات على كوباني في ريف محافظة حلب. وقالت إنه «على الرغم من اتفاقية تمديد وقف إطلاق النار، تشن فصائل دمشق هجمات في هذه اللحظات على قرى شيخلر/الشيوخ، زيرك غربي مدينة كوباني، والجلبية في جنوب شرقي المدينة».
في الأثناء، فتحت وزارة الدفاع ممرين إنسانيين إلى الحسكة وعين العرب لتقديم الدعم والإغاثة، بالتعاون مع الوزارات المختصة في محافظتي الحسكة وحلب.
كما أرسلت بالتنسيق مع منظمات الأمم المتحدة، قافلة مؤلفة من 24 شاحنة محمّلة بالمواد الطبية والإغاثية واللوجستية إلى منطقة عين العرب في ريف محافظة حلب، لدعم الاحتياجات الإنسانية والخدمية للأهالي فيها.
تطورات إقليمية
ويتقاطع هذا المشهد مع تطورات داخلية وإقليمية شملت إعلان العراق الاستعداد لأي طارئ على الحدود، وتنفيذ وزارة الداخلية السورية عملية أمنية خاصة داخل مدينة السويداء، وأنباء عن اقتراب سورية وإسرائيل من اتفاق أمني برعاية أميركية، يشمل مشاريع مشتركة في المناطق العازلة.
وبالتزامن مع بدء وصول دفعات من معتقلي «داعش» إلى سجون العراق، أعلن وزيرا الدفاع والداخلية الاستعداد لأي طارئ قادم من سورية.
وإذ أكد الوزيران أمام البرلمان أن الحدود مؤمّنة بخطوط دفاع متعددة، دعا رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد السوداني الدول المعنية إلى تسلّم رعاياها من عناصر التنظيم، محذّراً من ترك العبء الأمني على العراق وحده.
وفي موازاة التطورات الميدانية، فجّر تقرير عبري جدلاً، متحدثاً عن اقتراب سورية وإسرائيل من اتفاق أمني برعاية أميركية، يشمل مشاريع مشتركة بالمناطق العازلة، واحتمال «إيجار» مرتفعات الجولان مدة 25 عاماً، وصولاً لفتح سفارة إسرائيلية بدمشق.
ونقل موقع i24NEWS، عن مصدر سوري قوله إن محادثات قريبة بوساطة واشنطن قد تفتح الباب لاتفاق أمني وتعاون أوسع بين سورية وإسرائيل، مع حديث غير مسبوق عن خطوات دبلوماسية محتملة.
ولفت المصدر إلى أنه من المتوقع أن يجتمع مسؤولون سوريون وإسرائيليون قريباً ربما في باريس، لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية.
وستركز المحادثات على مشاريع استراتيجية واقتصادية مشتركة محتملة في المناطق العازلة. وأضاف المصدر: «هناك تفاؤل كبير بشأن إمكانية افتتاح سفارة إسرائيلية في دمشق قبل نهاية العام، نظرا للتقدم الملحوظ في انضمام سورية إلى اتفاقيات إبراهيم».
وأوضح المصدر أن الخطة السورية الأصلية كانت تقتصر على اتفاقية أمنية، وافتتاح مكتب اتصال إسرائيلي في دمشق دون صفة دبلوماسية، «لكن التطورات تتسارع بشكل ملحوظ تحت ضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي ظل انفتاح سوري متزايد».
وأشار التقرير إلى أنه «إذا تمكنت دمشق من التوصل إلى اتفاق اندماج مع الدروز في الجنوب على غرار اتفاقها مع الأكراد في الشمال الشرقي، والتزمت إسرائيل باحترام وحدة سورية وسلامة أراضيها، فإن الشرع سيكون منفتحا على رفع مستوى الاتفاق مع إسرائيل إلى ما هو أبعد من مجرد اتفاق أمني، ليشمل أيضاً علاقات دبلوماسية وسفارة إسرائيلية في دمشق».
عملية السويداء
وفي ظل التهدئة المعلنة مع الأكراد، نفّذت وزارة الداخلية السورية، أمس، عملية أمنية خاصة داخل مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، أسفرت عن تحرير 3 مخطوفين من قبضة مجموعات خارجة عن القانون.
وقالت «الداخلية» السورية إن «العملية نُفّذت وفق أعلى معايير العمل الأمني، حيث جرى تحرير المواطنين أنور عبداللطيف شقير، ومراد أحمد عيسى، وعلي محمد عوض، وتأمين إخراجهم من المدينة وتسليمهم إلى ذويهم سالمين، في إطار التزام الوزارة بواجباتها القانونية والوطنية في حماية المواطنين، والحفاظ على الأمن العام، ومنع أي اعتداء من شأنه المساس بسلامة الأفراد أو تهديد حياتهم».
وأكدت قيادة الأمن الداخلي في محافظة السويداء استمرارها في أداء مهامها دون تهاون، ومواصلة العمل بكل الوسائل المتاحة لتحرير جميع المخطوفين من قبل المجموعات الخارجة عن القانون في المدينة، وإعادتهم إلى ذويهم سالمين، تأكيداً على مسؤولياتها الوطنية في صون أمن المواطنين وضمان سلامتهم.
وفي رسالة تؤكد انفصال ملف الأكراد عن التوتر الدرزي، أفاد مصدر أمني سوري، في اليوم نفسه، بمقتل عنصر في وزارة الداخلية، على يد «العصابات المتمردة» في السويداء، مؤكداً أن ذلك «الخرق يندرج ضمن سلسلة من الخروقات التي قامت بها العصابات المتمردة خلال الفترة الماضية ضد النقاط التابعة لوزارة الداخلية في ريف السويداء».