تخيّل أن لديك نافذة واحدة فقط تطلّ منها على العالم، ثم يأتي من يقرّر لك ما الذي تراه عبرها وما يحجب. باختصار، هذا توصيف لما تفعله الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم. 

الخوارزميات هي مجموعة تعليمات رقمية تتحكّم في ترتيب المحتوى، وانتشاره، ووصوله للناس، هي العقل غير المرئي الذي يقرّر أي صوت يُسمَع، وأي رواية تُدفَن بهدوء.

قوة الخوارزميات لا تكمن في تعقيدها التقني فقط، بل في الجهة التي تملكها. حين اشترى إيلون ماسك منصة تويتر، التي أصبحت لاحقاً «إكس»، لم يكن الأمر مجرد صفقة تجارية، بل كان إعلاناً صريحاً عن انتقال مفاتيح واحدة من أهم ساحات النقاش العالمي إلى يد فرد واحد. ومع هذا الانتقال تغيّرت السياسات، وتبدّلت أولويات المحتوى، وأعيد تعريف «حرية التعبير» وفق رؤية المالك الجديد، لا الإجماع الإنساني المتعارَف عليه. 

Ad

خلال الحرب الصهيونية على غزة، تَجلّت خطورة هذا الواقع بوضوح. لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل رقمية أيضاً. آلاف المقاطع التي توثّق معاناة المدنيين خرجت من غزة، لكن جزءاً كبيراً منها تعرّض للتقييد أو خفض الانتشار، أو وُسم كمحتوى «حسّاس».

في المقابل، حظيت روايات أخرى بمساحة أوسع، وانتشار أسرع، وتفاعل أكبر. على منصة إكس، اشتكى مستخدمون وصحافيون من انحياز واضح في آليات العرض، وتعليق حسابات داعمة لفلسطين، أو إضعاف وصولها دون تفسير مقنع.

وهنا تظهر خطورة من يملك الخوارزميات، فالتحكّم لا يتمّ بقرار سياسي مُعلن، بل بتعديلات تقنية صامتة لا يراها المستخدم العادي. لا أحد يقول لك: «سنخفي هذا المحتوى»، لكنك ببساطة لا تراه، وهكذا يُعاد تشكيل الرأي العام، لا بالقوة المباشرة، بل بالتوجيه الناعم.

المشكلة الأعمق أن كثيرين يظنون أن ما يظهر لهم هو الصورة الكاملة، بينما الحقيقة أن الخوارزميات تبني لكل واحد منّا عالماً خاصاً، وفق تاريخه الرقمي، وميوله، وانفعالاته. ومع الوقت، تتحوّل هذه العوالم إلى فقاعات مغلقة، تعزّز قناعاتنا بدل أن تختبرها.

من هنا، تصبح أهمية الوعي مسألة مصيرية، الوعي بأن المنصّات ليست محايدة، وأن المالك ليس مجرد مستثمر، وأن «الترند» لا يساوي الحقيقة. الوعي بأن تنويع مصادر المعرفة، ومتابعة الإعلام المستقل، وعدم الاكتفاء بما يُقدَّم لنا على الشاشات، هو الحد الأدنى لحماية وعينا.

في زمن الخوارزميات، مَن يملكها يملك سلطة توجيه العقول، أمّا من يدرك ذلك، فلديه فرصة واحدة ثمينة: ألا يكون ضحية صامتة لهذا التحكم الخفي.