فن اتخاذ القرار الحكومي ليس مسألة إجرائية تُحسم بتوقيعٍ أو تعميم، بل هو مسؤولية وطنية تمس حياة الناس بشكلٍ مباشر. فالقرار، أياً كان شكله أو مبرراته، لا يعيش في الأدراج، بل يهبط فور صدوره إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: في دخله، ومعيشته، واستقراره النفسي، وثقته بمؤسسات الدولة. لهذا، فإن أي خللٍ في طريقة اتخاذ القرار، أو أي استعجالٍ غير محسوب، تتحوَّل كُلفته سريعاً إلى عبء يدفعه المواطن وحده. 

في كثيرٍ من الأحيان، تُتخذ القرارات الحكومية من دون دراسة كافية أو قراءة شاملة للواقع الاجتماعي والاقتصادي. قد تُبرَّر هذه القرارات بعناوين إصلاحية، أو تُسوَّق بوصفها ضرورية أو عاجلة، لكن غياب التحليل العميق يُحوِّلها من أداة إصلاح إلى سببٍ للأزمة. فالقرار الذي لا يمرُّ عبر غربال الدراسة، غالباً ما يصطدم بالواقع عند التطبيق، ويكشف عن فجوةٍ واسعة بين ما كُتب على الورق وما يعيشه الناس فعلياً. 

المشكلة لا تكمن فقط في القرار نفسه، بل في المنهجية التي تُدار بها عملية اتخاذ القرار. حين يُبنى القرار من زاوية مالية ضيقة، أو من منظورٍ إداري معزول عن المجتمع، يفقد توازنه الإنساني. المواطن لا يعيش داخل جداول أرقام، ولا يستهلك الخدمات وفق معادلات نظرية، بل يعيش في بيت، ويعمل براتبٍ محدود، ويواجه التزامات يومية لا تنتظر قرارات مرتجلة. 

Ad

أي قرارٍ يمس الرسوم أو الخدمات أو الدعم من دون فهم حقيقي لهذه التفاصيل، هو قرار ناقص مهما بدا منظماً. تداعيات القرار غير المدروس لا تظهر دائماً بشكلٍ فوري، لكنها تتراكم مع الوقت. تبدأ بضغطٍ مالي، ثم تتحوَّل إلى احتقانٍ اجتماعي، ثم تنعكس فقداناً للثقة بين المواطن والدولة. الأخطر من ذلك، أن المواطن يشعر بأنه خارج دائرة الاهتمام، وأنه آخر مَنْ يُؤخذ برأيه في قرارات تمس حياته مباشرة. هذا الشعور لا يهدد فقط الاستقرار المعيشي، بل يُضعف التماسك الاجتماعي، ويخلق فجوة نفسية يصعب ترميمها.

فن اتخاذ القرار الحقيقي يقوم على أُسس واضحة: دراسة مسبقة شاملة لا تقتصر على الكُلفة المالية، بل تشمل الأثر الاجتماعي والنفسي. ويقوم كذلك على الاستماع الجاد للمختصين وللمجتمع، لا بوصفه إجراءً شكلياً، بل كجزءٍ أصيل من الحُكم الرشيد. كما يقوم على التدرُّج في التنفيذ، لأن القرارات الصادمة، حتى لو كانت ضرورية، تفقد مشروعيتها عندما تُفرض دفعة واحدة من دون تمهيد أو شرح. 

المواطن لا يرفض القرار لأنه قرار، بل لأنه لا يريد أن يُعامل كرقم. يريد أن يشعر أن معاناته محسوبة، وأن قُدرته على التحمُّل معروفة، وأن الدولة تراعي واقعه قبل أن تطلب منه المزيد. 

في النهاية، القرار الحكومي الناجح هو الذي يُوازن بين متطلبات الدولة وكرامة المواطن، ويخفف الأعباء، بدل أن يُراكمها. من دون ذلك، ستبقى القرارات تُتخذ، وستبقى كلفتها تُدفع من حياة المواطن واستقراره.