لم يأتِ اهتمامي بغرينلاند من فراغ، بل من سؤالٍ بسيط طرحه عليَّ أخي الأصغر محمد، خلال اتصالٍ عابر: «لماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ بغرينلاند؟ ولماذا أصبح الرئيس الأميركي مهتماً بها إلى هذا الحد؟».
سؤال عفوي في ظاهره، لكنه يفتح باباً واسعاً لفهم تحوُّلات كبرى في الجغرافيا السياسية للنظام الدولي.
جزيرة عملاقة... وسكان مدينة صغيرة: غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، إذ تتجاوز مساحتها مليونَي كيلومتر مربع، أي ما يُعادل ضعف مساحة مصر تقريباً، في حين لا يتجاوز عدد سكانها 57 ألف نسمة فقط. هذا التناقض الحاد بين الاتساع الجغرافي والفراغ السكاني جعلها، تاريخياً، منطقة هامشية في الحسابات الدولية، لكنها اليوم تتحوَّل إلى مركز اهتمام متسارع.
الموقع... حيث تتقاطع الجغرافيا مع الأمن: تقع غرينلاند بين المحيط المتجمِّد الشمالي والمحيط الأطلسي، في قلب ما يُعرف عسكرياً بـ «بوابة الأطلسي». هذا الموقع يمنحها أهمية استثنائية في مراقبة التحرُّكات البحرية والجوية بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، ويجعلها خط الدفاع الأول عن أميركا الشمالية في حال أي تصعيدٍ استراتيجي. وليس من قبيل المصادفة أن تحتضن الجزيرة واحدةً من أهم قواعد الإنذار المبكِّر والدفاع الصاروخي الأميركية.
القطب الشمالي لم يعد هامشاً مع تسارع ذوبان الجليد، بفعل التغيُّر المناخي، كما لم يعد منطقة معزولة، بل تحوَّل إلى ساحة تنافس مفتوحة على ممرات شحن بحرية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا، وعلى موارد طبيعية كانت سابقاً محجوبة بالجليد. وهنا، تُصبح الجزيرة نقطة ارتكاز أساسية لأي قوةٍ تسعى إلى ترسيخ حضورها في الشمال.
الموارد: تحتوي غرينلاند على مخزونٍ مهم من المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة النظيفة والصناعات العسكرية. ومع سعي الولايات المتحدة وأوروبا لتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد، تزداد أهمية الجزيرة كبديلٍ استراتيجيٍ محتمل.
ولا يمكن فهم الاهتمام الأميركي المتصاعد بغرينلاند من دون النظر إلى التحرُّكات الصينية والروسية في القطب الشمالي. فالصين، رغم عدم امتلاكها أراضي قطبية، أعلنت نفسها «دولة قريبة من القطب الشمالي»، وسعت خلال السنوات الماضية إلى الاستثمار في البنية التحتية والمناجم، قبل أن تواجه ضغوطاً أميركية ودنماركية حدَّت من تلك المساعي. أما روسيا، فترى في القطب الشمالي عُمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، ومجالاً حيوياً لتحرُّكاتها العسكرية والاقتصادية.
وعاد الملف إلى الواجهة مجدداً في ولاية الترامب الثانية، لكن بصيغةٍ مختلفة. فقد تَصَاعد الخطاب الأميركي حول تعزيز النفوذ الأمني والاقتصادي في القطب الشمالي، وترافق ذلك مع ضغوط سياسية وتجارية على الحلفاء الأوروبيين والدنمارك.
وفي يناير 2026، أعلن ترامب «إطاراً لاتفاقٍ مستقبلي» للتعاون في مجالَي الأمن والمعادن في غرينلاند، من دون تفاصيل نهائية أو أي مساسٍ بالسيادة، التي ما زالت قائمة ضمن مملكة الدنمارك.
الخلاصة:
غرينلاند لم تُصبح مهمة فجأة، بل نحن الذين بدأنا نراها متأخرين. إنها ليست جزيرة جليدية نائية، بل عقدة جيوسياسية تجمع بين الجغرافيا، والأمن، والموارد، وتوازنات القوى الكبرى. وتكمن خطورتها الحقيقية في توقيت صعودها، في لحظةٍ دولية تتراجع فيها القواعد المستقرة، وتُختبر فيها حدود القانون الدولي والتحالفات التقليدية.