متى ظهر «المثقف العربي»؟ ومتى تحدث الكتاب عن «المثقفين العرب»؟ من هو «المثقف»؟ وهل يختلف المثقف عن المتعلم أو الخريج؟ هل بدأت الظاهرة مع صدر الإسلام والصحابة و«دولة الراشدين»، كما يقول د. محمد عابد الجابري: «عندما كان الصحابة أمراء وعلماء في الوقت نفسه، يحكمون بالشرع ويشرعون للحكم، ثم حصل خلاف حول الحكم فاستأثر الأمراء بالحكم وتمسك العلماء بالرأي، وحصل استبداد بالأمر - أي بسياسة الدولة - أدى إلى استقلال الرأي، فانفصل العلم والثقافة عن السياسة وبدأت فئة المثقفين الأوائل في الإسلام بالظهور». (المثقف العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1995، ص 58).
ولكن ماذا عن شعراء العرب مثلاً قبل الإسلام، والخطباء، وأمثال سحبان بن وائل، الذي كان من أفصح العرب وبلغائهم، يضرب به المثل في البيان، فيقال «أفصح من سحبان». وقد جاء في دائرة معارف محمد فريد وجدي، أن سحبان دخل يوماً عند معاوية ولديه فصحاء العرب وخطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا خجلاً من قصورهم عنه إذا تكلموا، فقال له معاوية اخطب، فقال انظروا لي عصا. قالوا وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال وما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه؟ فأخذها في يده فتكلم من الظهر إلى أن كادت صلاة العصر تفوت ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج منه وقد بقيت عليه فيه بقية، ولا مال عن الجنس الذي يخطب فيه (د5، ص25).
كان الخطباء والشعراء يؤدون عبر القرون، قبل الإسلام وبعده، دوراً في دعم النظام السياسي والاجتماعي، بل إن الدين الإسلامي نفسه استعان بالشاعر حسان بن ثابت في زمن الرسالة وبآخرين إلى زماننا هذا. فكيف يمكن تجاهل دور المثقفين «قبل الإسلام»؟
برز المثقفون في التاريخ الإسلامي أول ما حدث ذلك في رأي د. محمد عابد الجابري، عندما عادت جماعة من المجاهدين من الغزو إلى المدينة بعد مقتل الخليفة عثمان، رضي الله عنه، ووجدوا الخلاف قد استشرى والصراع قد احتدم، فريق مع عثمان وقبيله، وفريق مع علي وأشياعه، فلم ينخرطوا في الصراع، يقول د. الجابري، واحتكموا إلى عقولهم وليدشنوا لأنفسهم مجالاً جديداً «تمارس فيه السياسة بالرأي والكلام»، ويقول ابن عساكر عن هؤلاء: «إنهم الشكّاك الذين شكوا، وكانوا في المغازي«، وفي النهاية وقفوا على الحياد وقالوا:»نُرجئ أمرهما إلى الله يحكم بينهما«.
وكان ثاني ظهور للمثقفين في الإسلام، يضيف د. الجابري: «عندما تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية بن أبي سفيان، اعتزلت مجموعة الحسن ومعاوية وجميع الناس، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا بذلك معتزلة».
وفرقة «المعتزلة» أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر وأنواع الكلام. (عن د. الجابري مقتبساً من كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع - أبو الحسن محمد بن أحمد الملطي ص 35-36).
وحدث ظهور المثقفين، يقول د. الجابري، في مناسبة ثالثة وهي التي ينقلها الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل»:
«يحكي الشهرستاني أنه: دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا في ذلك؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن»، ثم تضيف الرواية:»وسموا بذلك معتزلة». (المثقف العربي، ص60).