في زوايا الحياة الصغيرة، تُولد أبهى الحكايات، التي تتركُ في الروح أثراً من ضحكٍ خفيف، ودهشةٍ محبّبة، وربما حكمةٍ ساخرة. وفي هذه السطور، محاولة لالتقاط بعضٍ من تلك اللحظات العفوية التي تقع «بَرّه» الحسابات والمنطق، إذ تكشف خفّة المعرفة، وجمال العفوية حين تنتصر.

 • يحكي أستاذنا الأديب العلّامة الشاعر د. مصطفى رجب عن بعض المواقف التي حدثت له مع بعض أساتذته، ومنهم د. رجاء عيد، فيقول: نشر د. رجاء عيد مرّة مقالاً في مجلة الثقافة عام 1975 كان عنوانه «في الصورة الشعرية» وكان المقال غابة متشابكة من جمل متنافرة لا تعرف لها رأساً من ذَنَب! وفيه وضع للصورة الشعرية تعريفاً حفظتُه أنا لغرابته. بعد نشر المقال بنحو عام ونصف العام، وفي إحدى المحاضرات، بدأ د. رجاء يشرح لنا الصورة الشعرية، ثم سأل: «حَدّ فيكم يا أولاد فاهم يعني إيه صورة شعرية»؟ فرفعتُ يدي، وقال: قل يا مصطفى أفندي تعرف إيه عن الصورة الشعرية، وأنت شاعر؟ فقلت بحماس وكأنني سعد زغلول يخطب في مظاهرة: «إن الصورة الشعرية ما هي إلّا انفعال ذاهل، يعتمد على إساغة فكرية، تُطعم خيالاً يستبطن ما ورائيات المظاهر المسطّحة التي يدعمها ما يُشبه ابتهالاً صوفياً يقوم على مهارة خادعة في التوليد والتلفيق!» صفّقت دُفعتي تحمُّساً للخطبة، وسط (اذبهلال) الرجل ودهشته الواضحة، ثم سألني: جبت الكلام الفارغ ده منين يالَه؟ فأجبته بكل ما يملكه صعيدي من عفوية: من مقال سيادتك يا دكتور بمجلة الثقافة! فرَدّ - رحمه الله - بكل حنان، مشيراً بيده إلى الباب: اخرج برّه المحاضرة يا حيوان.

 ***  

Ad

وفي موقف لا يقلّ طرافة، يروي الصديق الشاعر الأديب أشرف البولاقي موقفاً مشابهاً، تعرّض له عندما كان طالباً بكلية دار العلوم بالقاهرة، قبل أكثر من 3 عقود، وحدث أن رسب في أحد الأعوام، ولأنّ وجهه كان مألوفاً، فقد سأله أحد الدكاترة: ألم تكن معنا هنا في العام الماضي؟ - بلى... ولكنّه قول الله تعالى «وسَيعلمُ الذين ظَلموا أيّ مُنقلبٍ ينقلبون». - بل هو قوله تعالى «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»... اطلع بَرّه...!

 ***

 أما المفاجأة التالية فكانت أزهرية بامتياز، حيث دخل أحد الطلبة الأزهريين على لجنة اختبار، فسأله أحد الجالسين: ما اسمك؟ فأجاب: اسمي آخر اسم في سورة البروج.

 - اسمك «لوح»؟ 

- لا يا افندم... محفوظ. 

- محفوظ دي صفة يا... لوح! 

***

 ... ودخل آخر واثقاً من نفسه على لجنة مشابهة، وصاح: - السلام عليكم... 

فجاءه الرد: وعليكم إعرابُها...! 

***

 وهكذا، بين «اطلع برّه» وأخواتها، ندرك أن الطرافة ليست في الذكاء وحده، بل في المفارقة التي تفضح الزيف وتكافئ البساطة. حقيقة، ما أكثر ما تعلّمنا ونحن خارج القاعة، وما أصدق الضحك حين يأتي بلا استئذان!