قد لا نختلف على أن النظام الإيراني الحالي تسبَّب في إيذاء عددٍ من الدول العربية وشعوبها، ونختلف معه سياسياً في مواقفه وسلوكياته، إلا أن سقوطه قد يكون أخطر من بقائه على دول مجلس التعاون الخليجي. فوجود خصمٍ ضعيف، مُنهك اقتصادياً، ومُحاصر داخلياً وخارجياً، وله خصومات مع الغرب ومع شريحةٍ واسعة من شعبه، أقل خطراً من وجود نظامٍ جديد قوي، يحظى بشعبيةٍ داخلية، وعلاقات متينة مع الغرب. فأي نظامٍ يصل إلى السُّلطة بعد انتفاضة جماهيرية، غالباً ما يتمتع بشرعيةٍ شعبيةٍ كبيرة، ويتسابق الغرب لكسب ودّه، خصوصاً إذا كان هذا البلد نفطياً، صناعياً، زراعياً، ويملك سوقاً ضخماً ومساحة جغرافية واسعة. في هذه الحالة، قد يتحوَّل إلى شرطي المنطقة من الشرق، مقابل إسرائيل كشرطي من الغرب، بدعم أميركي وأوروبي. وهذا هو السيناريو الأول. أما السيناريو الثاني، فهو دخول إيران في مرحلة فوضى بعد الانتفاضة الشعبية، وهنا يُصبح الخطر أكبر وأعمق، ليس فقط على دول الخليج، بل على الملاحة الدولية لسنوات طويلة. فإيران دولة متعددة الأعراق والمكونات: الفرس، والأكراد، والأذريون، والعرب، والبلوش، واللور، والتركمان، والجيلاك، والمازندارنيون وغيرهم. وفي حال تفكُّك الدولة، قد تتحوَّل إلى بلاد ميليشيات وصراعات داخلية. وموقع إيران الجغرافي، كدولة مجاورة لدول الخليج ولها حدود بحرية مباشرة معها، يجعل أي فوضى داخلها تهديداً مباشراً للأمن الخليجي والملاحي. كما أن فوضى إيران قد تفتح شهية الشارع العراقي لانتفاضة شعبية ضد القوى الموالية لطهران. والعراق يعج بعشرات الفصائل المسلحة؛ الكبيرة والصغيرة، ومنها فصائل «الحشد الشعبي»، التي تضم جماعات مثل: عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، والنجباء، ومنظمة بدر، وسرايا الخراساني، وسرايا السلام، وغيرها. وفي حال اندلاع مواجهة شعبية ضد هذه الفصائل، فإن العراق سيدخل حتماً في دوامة فوضى أمنية خطيرة. وهنا تُصبح دول مجلس التعاون في مواجهة أخطر سيناريو، إذ تُحاصر بدول مضطربة: من الشرق إيران، ومن الشمال العراق، ومن الجنوب اليمن، مع تهديد مباشر للأمن والملاحة البحرية، وانتشار محتمل لقرصنة الممرات الدولية. أما السيناريو الثالث، فهو أن تتجه الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، نحو تفكيك إيران أو تقسيمها، كما طُرحت سيناريوهات مشابهة في الصومال واليمن. وهذا من شأنه أن يشجِّع على استكمال المشروع الإسرائيلي القائم على تفتيت المنطقة إلى دويلات صغيرة يسهل التحكم بها والسيطرة عليها. فالغرب، ومعه أميركا وإسرائيل، لا يزيح نظاماً مُعادياً للعرب والمسلمين إلا إذا كان البديل أكثر طواعيةً، وأشد خضوعاً لأجنداتهم الأمنية والاقتصادية، حتى وإن بدا في ظاهره «أفضل». وعند النظر إلى الانتفاضة الإيرانية بعقلانية، وبمنظور استراتيجي بعيد المدى، نجد أن القفز إلى المجهول قد يفتح أبواب جهنم على المنطقة. لذلك، فإن بقاء النظام الإيراني الحالي– رغم تصرفاته بالمنطقة– أخف ضرراً، وأقل خطورة من إزاحته، في ظل غياب ضمانات حقيقية لما بعده.
مقالات - اضافات
صرخة قلم: إيران الحالية... أفضل
22-01-2026