في العام الماضي مارس «رجال دافوس» الإنكار، هذا العام يعرفون الخوف.
فبينما تتزاحم طائرات كبار الأثرياء فوق جبال الألب كطقس سنوي، يتلاشى جدول الأعمال الذي اعتاد المنتدى الاقتصادي العالمي رفعه. لم يعُد الأمر مقتصراً على توترات تجارية بين القوى الكبرى، ولا على احتكاكات الغرب مع قوى مراجِعة مثل الصين وروسيا، ولا حتى على هوس دونالد ترمب بغرينلاند وما كشفه من انقسامات داخل العائلة الغربية نفسها، ثمة شيء أكبر يتداعى.
من ساحات أوكرانيا المحترقة إلى غابات إفريقيا المطيرة، ومن رمال الصحراء الكبرى إلى جبال إيران، يتصاعد نمط بعينه: عودة الصراعات العرقية والدينية التي ظنّ الغرب أنه دفنها مع القرن العشرين.
هذا النمط سبق أن مزّق أوروبا ما بين 1850 و1945 حين تفككت امبراطوريات متعددة الشعوب ودفعت شعوبًا كاملة إلى الهجرة والقتل والاقتلاع. اليوم يتكرر المشهد، أو يهدد بالتكرر، من كردستان إلى نيجيريا. تهجير الأرمن من ناغورنو كاراباخ، الاضطرابات العرقية في باكستان وإيران وسورية وتركيا، الصراعات الدينية والقبلية في غرب إفريقيا والقرن الإفريقي، والصراع الأهلي المزمن بين الهوتو والتوتسي في منطقة البحيرات العظمى، كلها حلقات من السلسلة نفسها.
القرن الذي سبق الحرب العالمية الثانية شهد محاولات دبلوماسية أوروبية مضنية لاحتواء هذا النوع من التفكك، لكنها فشلت في النهاية. سقوط الامبراطورية العثمانية ثم النمساوية - الهنغارية، فالروسية، أنتج سلسلة من الاجتياحات والمجازر والتطهير العرقي، أكثر من مليون يوناني نزحوا من الأناضول، وملايين من الأتراك هربوا من البلقان. القومية الروسية السوداء دفعت اليهود غرباً والمسلمين جنوباً.
في الأربعينيات كان التهجير القسري أداة دبلوماسية مقبولة، الملايين من الألمان طُردوا من شرق أوروبا بعد الحرب، والملايين من الهندوس والمسلمين أُجبروا على تبادل الموطن عند تقسيم الهند البريطانية. وحتى إلى منتصف الحرب الباردة، شهدت بورما ومصر وشرق إفريقيا موجات مماثلة من الإقصاء العرقي.
بعد الحرب العالمية الثانية حاول الغرب القيام بمشروع مضاد: نزع الطابع العرقي عن السياسة. المصالحة الفرنسية - الألمانية صارت حجر الأساس لتجربة «ما بعد القومية» في أوروبا الغربية. الاتحاد الأوروبي، والمنظومة الأطلسية، والقانون الدولي، ومبادئ «النظام الدولي القائم على قواعد» كانت كلها أدوات لطرد تلك الشياطين من التاريخ.
الحدود لم تعد تُغيّر بالقوة، الدين والعرق لم يعد يفترض بهما أن يحددا المصير السياسي. ومن هنا حاول الغرب تصدير التجربة إلى البلقان، والجمهوريات السوفياتية السابقة، والشرق الأوسط، وإفريقيا ما بعد الاستعمار.
في سنوات ما بعد الحرب الباردة الأولى، بدا أن المشروع ينجح. اليوم يبدو وكأنه ينهار، فمع تراجع الديموقراطية عالميا يتصاعد ما حاول الغرب كبته: التعبئة السياسية حول الهوية.
في الهند هندوتفا، في إسرائيل قومية دينية صريحة، في الولايات المتحدة شعبوية MAGA، في العالم الإسلامي الإسلاموية، وفي أوروبا صعود اليمين القومي المتشدد. النظرة الكوزموبوليتية العابرة للحدود التي شكّلت روح «عصر دافوس» تفقد جمهورها.
الافتراض السائد في الغرب كان أنّ الديموقراطية، مضافًا إليها النمو الاقتصادي، ستشفي الكراهية الطائفية. التجربة الأوروبية كانت تُقرأ على أنها دليل: بعد 1945 هدأت القوميات، نما الاقتصاد، فاختفت النزاعات. لكن هذه قراءة انتقائية. فبين 1850 و1945 شهدت أوروبا نموًا اقتصاديًا واسعًا وتوسعًا للتعليم وحقوق التصويت، ومع ذلك كان ذلك هو العصر الذهبي للقوميات المتفجرة والحروب العرقية. الديموقراطية نفسها غذّت المطالبة بحق تقرير المصير. لم تكن الديموقراطية علاجًا للنزاعات العرقية، كانت جزءًا من ديناميكيتها.
اليوم يحدث شيء شبيه في العالم كله. ومع اتساع التنوع الديني والعرقي في الغرب ذاته تتصاعد الحروب الثقافية وسياسات الهوية، من مينيابوليس إلى ميلانو. لم يعد رجل دافوس محاصرًا بنزاعات «الآخرين» في الجنوب العالمي، النزاعات تطرق بابه أيضًا.
في السنوات السابقة كان «رجل دافوس» يتحدث عن بناء عالم جديد، وفي 2026 بات يفكر في كيفية النجاة من انهيار النظام الذي كان يعتبره طبيعيًا ومفروغًا منه. عصر ما بعد الحرب - عصر التوافق الليبرالي والتجارة العالمية والتفاؤل المؤسسي - يذوب، بينما تعود أخطر تقاليد السياسة البشرية: القبيلة، والطائفة، والأمة.
* والتر راسل ميد