في رحلةٍ قصيرة، كُنت مضطراً إلى التنقل خلالها ما بين القارتين العُظميين، ومُجبراً إلى حدٍّ ما في أكتوبر الماضي على «التقلقص» بجانب سيدة في طريق العودة لا تعرف البتة أدبيات ولا أبجديات الجلوس على مقعد الطائرة. كانت رحلة سيئة بكل المعايير والمقاييس، لكنها أثمرت شيئاً جميلاً واحداً، ألا وهو هذا المقال الماثل بين أيديكم، والفكر القابع خلفه. 

على الشاشة الصغيرة للخطوط الجوية الكويتية خرج لي اختيار فيلم هوليوودي سمعت عنه سابقاً في فترات متقطعة، وكيف له أن يكون مؤثراً على الشاشة الصغيرة في قادم الأيام. عنوان الفيلم كان Death of a unicorn، وبترجمةٍ نصيَّة إلى اللغة العربية يكون «موت أحادي القرن»، أو كما درج في الميثالوجيا حيوان «الحريش». الحريش حيوان خُرافي لا أثر له في العِلم والمنطق، وقِصة الفيلم ممتعة وخفيفة جداً عن أب وابنته اصطدما في حادث سيارة بذاك الحريش، ليكتشفا أن دمه يُعالج كل الأمراض والأعراض والعِلل والأوبئة. وحين يتواصل صاحب إمبراطورية عملاقة للشركات مع بطل الفيلم (الأب) ويقابله في اجتماعٍ إداري، يطمع ويحوِّل كل اهتماماته إلى تسخير دم الحريش إلى مصلٍ لعلاج السرطان. 

بالمقابل تظهر الطبيعة والبيئة بجبروتها، وتكشف عن أنيابها، ويكتشف الجميع أن أحادي القرن هذا لا يروض، وحيوان وحشي ومفترس ومنتقم. 

Ad

الفيلم خفيف لطيف ينتهي (حرفياً) بانتهاء آخر مشهد له، وينسى من الذاكرة. هذا بالنسبة للشخص الطبيعي الاعتباري الاعتيادي والمسافر ذي العقلية العادية. لكن ما حصل معي شخصياً كان أمراً مختلفاً بتاتاً. كان للفيلم رسالة مبطنة، ومعنى باطني مغمور غير ظاهري، لا أعلم إن كان مقصوداً من صُنَّاعه أم لا، لكنه حتماً وصل إلي هكذا. جشع الرأسمالية الأميركية، وما يتعلَّق بها ويتصل بالقطاع الصحي، لا يمكن لأحدٍ أن يُنكره البتة. تشكِّل نسبة 8.2 في المئة؜ من إجمالي سكان الولايات المتحدة الأميركية معدَّل السكان غير الحاصلين على تأمين صحي بالمرة. أي أن هؤلاء الناس غير قادرين على التمتع بأي نوعٍ من الرعاية الصحية بتاتاً. كما تشكِّل نسبة البالغين في الأعمار ما بين 19 و64 عاماً السواد الأعظم من غير المؤمنين صحياً في أميركا. في المقابل، جنت أكبر عشر شركات أدوية على مستوى القطاع الصحي داخل الولايات الأميركية (فقط) ما يفوق 112 مليار دولار عام 2022، وهو آخر رقم رسمي مُعتمد، ولعله في ازدياد كصافي أرباح. 

أصبح الوصول إلى «إكسير الحياة»، مع الوصول إلى صافي أرباح ومبيعات عالية، هوساً مخيفاً داخل المجتمعات الصناعية الدوائية في أميركا... هذا من جانب. ومن جانب آخر، أصبح من الواضح جداً أن الرسالة الضمنية لهذا كُله بدأت في التغلغل داخل صناعة الأفلام، وإن كانت خيالية تحتوي على حريش، كأحد أبطالها. على الهامش: «أشير إلى القمر والأحمق ينظر إلى إصبعي!»... قد تستبدل كلمة «الأحمق» بـ «الكلب» في هذا المثل الدارج جداً لدى الأمريكان، وهو كناية عن قلة «الفهامية» أو الانتباه. ويُكافئ ذات المثل في اللهجة الدارجة الكويتية «أنا وين وأنت وين». هذا حرفياً ما حصل حين ناقشت فكرة المقال هذا مع شخصٍ ما، وتحوَّل النقاش إلى محاولة لإقناعي بأن أحادي القرن ليس حيواناً أسطورياً، وأن الأرض مسطَّحة، وأن التنين حيوان كان يتجوَّل في سوق المباركية يتلذذ بالسمبوسة والكبة، وأن العنقاء ترتدي عباية أم راس!