في جلسة نهاية العام، دار الحديث كما يحدث دائماً، بدأت إحدى الصديقات بسرد إنجازاتها، وعدد الكُتب التي أنهتها، والدورات التي حضرتها، والأهداف التي حققتها، ثم تحدَّثت عن خطتها للعام الجديد، تبعتها أخرى، ثم ثالثة. 

تحوَّل الحديث إلى قوائم، وأرقام، ومقارنة غير مُعلنة. لم يكن الحديث مُزعجاً، لكنه كان مُثقلاً بالأرقام. في تلك اللحظة، سرحت. لم يكن السرحان استخفافاً بما قِيل، ولا تقليلاً من قيمة الإنجاز، كان إحساساً بأن شيئاً ما غائب في هذه المعادلة. تساءلت: متى أصبحنا نُقيِّم أعوامنا فقط بما أنجزناه؟ ومتى صار السؤال الأهم في نهاية السنة: ماذا فعلتِ؟ لا: كيف عشتِ؟ 

بينما كانت القوائم تُستعرض، تذكَّرت جدّي، رحمه الله. عاش حياةً بدويةً تقليدية، بإيقاعٍ هادئ، كان يُردِّد دائماً: «كل شي ملحوق عليه، العُمر يخلص، والشغل ما يخلص». لم يكن يقولها دعوةً للتأجيل، بل قناعة. عاش أكثر من مئة عام، بصحةٍ وعافية، وكأن التمهُّل كان جزءاً من سِر هذا العُمر الطويل. 

Ad

نعيش اليوم في زمنٍ سريع الإيقاع، حتى نسينا مَنْ نحن، ومَنْ حولنا، وما حققنا، وأصبح الانشغال دليل نجاح، والتوقف يُساء فهمه. نتحرَّك طوال الوقت. نُخطط، نُنجز، نُلاحق القادم، حتى صارت الحياة مؤجلة إلى ما بعد الهدف التالي. هنا تبرز فكرة الحياة البطيئة، لا كترفٍ، ولا كموضة، بل كحاجةٍ إنسانية تتماشى مع فطرة الإنسان، وعقله، ونفسيته، وجسده. 

الحياة البطيئة لا تعني ترك العمل، ولا التخلي عن الطموح، تعني إعادة ضبط العلاقة مع الوقت، وأن نخفف هوس الإنجاز، ذاك الوهم الذي عشناه كجيل عصر السرعة، أن نُنجز من دون أن نستنزف أنفسنا، وأن نعيش التفاصيل بدل المرور السريع عليها. 

الحياة البطيئة تعني أن نُخفف الإيقاع، أن نقرأ أقل، لكن بتركيز، وتطبيق لما نقرأ، أن نعمل من دون إنهاكٍ دائم، أن نترك مساحات فارغة في اليوم، لا لأننا بلا مهام، بل لأننا بشر. تعني أيضاً أن نتوقف عن مقارنة مساراتنا بمسارات الآخرين، وعن استعجال النتائج، وعن تحميل كل يوم أكثر مما يحتمل. 

بعض الأشياء تحتاج إلى وقت، وبعض التجارب لا تُستعجل. وما يُقدَّم اليوم كفلسفةٍ حديثة في العالم الغربي، عرفته ثقافتنا منذ زمن، في المجالس، في القهوة العربية التي تُحضَّر على مهل، في الجلوس الذي لا يحتاج إلى سبب سوى الحضور. كان الوقت مساحةً للعيش، لا خصماً نُطارده.

قطعت إحداهن سرحاني، وسألت: وأنتِ؟ ماذا أنجزتِ هذا العام؟ توقفت لحظة. لم أرغب في التعداد، قُلت بابتسامة: كُنت أعيش تفاصيل الحياة. لا نحتاج إلى إثبات إنجازاتنا لأحد، ما نكونه يظهر وحده، في سلوكنا، وكلامنا، وفي طريقة تعاملنا مع الناس. الإنجاز الحقيقي لا يُعلن، لكنه يُلاحظ، ستشعر به. وفي عالم تتقدَّم الروبوتات، لتحل محل كثيرٍ من الأعمال التقليدية، لن تكون القيمة في السرعة، ولا في التكرار، ستكون في الإنسان نفسه، في إحساسه، وقُدرته على أن يعيش مشاعره، لا أن يعمل فقط. إن الحياة لا تُقاس بما نُنهيه من قوائم، بل بما نشعر به ونحن نعيشه بتفاصيله الصغيرة، فأحياناً نعيش يوماً واحداً يُعادل سنوات من العُمر، وأحياناً تمرُّ علينا سنوات كاملة، تُحسب من أعمارنا، لكنها لا تُعاش، بل تمرُّ فقط.