تحتل التلفزيونات اللبنانية الصدارة في وسائل الإعلام، بعد أن تراجعت الصحف الورقية، مثل بلدانٍ عديدة في المنطقة. في هذا الشأن برزت أسماء ونجوم ملأت الساحة، وامتدت شهرتها إلى الخارج، وأكثر البرامج مشاهدة هي البرامج السياسية والحوارية، ولديها أكبر عددٍ من المشاهدات، مقارنةً ببرامج المنوعات والطبخ والثقافة. ربما الحدث الوحيد الذي ينافسها هو مباراة كرة السلة بين «الحكمة» و«الرياضي».

السياسة خطفت الجميع، فهي الملح اليومي للبنانيين، وما أكثرهم تفلسفاً بالتحليل و«التخبيص». هذه الظاهرة ولَّدت جيلاً من الإعلاميين الذين استقلوا عن الشاشات الخمس المعروفة، وفتحوا منصات إلكترونية (بودكاستات) خاصة بهم، وهات على وجوه وأحداث وحكايات كُلها دخلت في منافسات محمومة على مَنْ يستقطب أكثر من غيره من بين الوجوه الإعلامية المؤثرة حقاً، ولديها أرقام مرتفعة جداً بالمشاهدات، مقارنةً مع غيرها من البرامج.

يأتي الزميل مارسيل غانم وبرنامجه (صار الوقت) في المراتب الأولى. هذا الإعلامي انقسم الجمهور اللبناني حوله، ونال الكثير من المدح والثناء، بقدر ما نال من الشتائم والتخوين. وبلغة الإعلام، هذا يعني أنه ناجح والناس تسعى لمشاهدته.

Ad

الأسبوع الماضي استضاف رئيس الحكومة نواف سلام، وكان محل نقدٍ جارح وإشادة بارعة من نقيب المصورين الصحافيين السابق نبيل إسماعيل، الذي حمل كاميرته وذهب إلى استديو «MTV» أثناء التحضير للحلقة، والتقطت عدسته مجموعة مشاهد معبِّرة. وضع كاميرته جانباً، وراح يكتب بقلم وعين المصور المحترف، قائلاً عنه: «هو في الواقع حالة نقدية قائمة بذاتها داخل المشهد التلفزيوني اللبناني، شخصية نقدية جريئة تُصرُّ على المحاكمة والمساءلة على الهواء مباشرة. بدت الكاميرا كأنها تشهد على مدرسةٍ خاصة في محاورة غانم، ليس محاوراً تقليدياً، بل صياد أجوبة، يعرف كيف ينصب أفخاخه بدقة، ويُجيد نسج شبكته حول ضيفه، كفريسة، بحنكة اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل في ساحات السياسة والإعلام. اليوم يُعد مارسيل غانم من أبرز المحاورين في لبنان، لكنه أيضاً من أكثرهم حدةً وتأثيراً وجدلاً، لا يترك لضيوفه هامشاً للمناورة، يسأل، ويدفع باتجاه الجواب الذي يريده، ويقود الحوار حيث يشاء، مستنداً إلى خبرةٍ عميقة وشبكة علاقات واسعة مع السياسيين تُتيح له النفاذ إلى ما يدور في الكواليس والخفاء، ولا يخفون عنه أي معلومة، خوفاً من نقده اللاذع وغضبه كمحقق على الهواء. راقبته كاميرته وهو على (البلاتو) يتحرَّك في مقعده بثقة المتمرِّس، يعرف متى يهاجم، وكيف يُدافع، ومتى يُربك الضيف، ومتى يمنحه هامش أمان، سُرعان ما يسحبه بأسئلة غير متوقعة. يمتلك مهارةً لافتة في الضغط النفسي عبر وابلٍ من الأسئلة السريعة التي تُرهق الضيف، وتفقده توازنه».

في الجانب الآخر، هناك مَنْ رأى في مارسيل «مشخصاتياً هزيلاً»، فما جرى في حلقة «صار الوقت» لم يكن مساءلة إعلامية، بل كان مشهداً من مشاهد الانحدار المهني، حيث اختار أن يكون مهرجاً، لا إعلامياً، اعتاد اللعب على أعصاب ضيوفه، أخطأ الحساب، حاول فرض إيقاعه، فوجد أمامه رجلاً لا يُستدرج ولا يُستفز. حاول تحجيم رئيس الحكومة، فإذا بالأخير يحجمه إلى رتبة مهرج على الشاشة، وبهدوء أعاده إلى موقعه الطبيعي، وكانت الرسالة «ارجع مطرحك».