تعيش الولايات المتحدة أزمة باطنها سياسي وظاهرها اقتصادي، وسط حالة من القلق من احتمال تخلفها عن سداد ديونها للمرة الأولى على الإطلاق، مما يثير مخاوف عالمية وترقباً في أسواق المال لما ستسفر عنه التطورات. وبلغت الولايات المتحدة حد الاقتراض الإلزامي 31.4 تريليون دولار، انتظاراً لموافقة الكونغرس على رفع سقف الدين كي تستطيع الحكومة مواصلة الاقتراض لسداد ديونها وتمويل أنشطتها.

لكن يوجد خلاف على رفع سقف الدين بين إدارة الرئيس الديموقراطي جو بايدن، ومجلس النواب الأميركي الذي يقوده كيفن مكارثي الذي ينتمي للجمهوريين. ويربط مكارثي بين التصويت في مجلس النواب على رفع سقف الدين وبين تخفيضات للإنفاق الحكومي يرغب الجمهوريون في إجبار بايدن عليها.

Ad

وفي العقود الأخيرة، ازدادت الخلافات حول رفع سقف الدين جنباً إلى جنب مع حجم الدين الوطني.

وسابقاً جرى حل المواجهات التشريعية المتكررة حول الديون في العقد الماضي إلى حد كبير قبل أن تؤثر على الأسواق. لكن ذلك لم يكن الحال دائماً، فقد دفعت مواجهة سياسية امتدت فترة طويلة من الوقت بشأن رفع سقف الدين في عام 2011 وكالة «ستاندرد آند بورز» إلى خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة للمرة الأولى، مما أدى إلى هزة في أسواق المال.

والآن يشعر بعض المستثمرين بالقلق من أن الأغلبية المحدودة للحزب الجمهوري في الكونغرس تجعل من الصعب التوصل إلى حل وسط هذه المرة.

ما سقف الدين؟

مبدئياً يمثل سقف الدين الحد الأقصى للمبلغ الذي يمكن للحكومة الأميركية اقتراضه للوفاء بالتزاماتها المالية.

وعندما يتم الوصول إليه لا يمكن للخزانة إصدار المزيد من الأذون أو السندات أو الأوراق المالية. ويمكنها فقط سداد المزيد من الالتزامات من خلال العوائد الضريبية.

ويبلغ الحد الأقصى لسقف الدين حالياً نحو 120 بالمئة من الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد. وهذا الرقم مرتفع تاريخياً، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن ما إذا كانت تلك مشكلة هو موضع الكثير من الجدل.

ومن المعلوم أن الحكومة الأميركية تمول معظم إنفاقها من خلال الديون. ورفع السقف يسمح للحكومة باقتراض المزيد من الأموال لتغطية الإنفاق الذي وافق عليه الكونغرس بالفعل. لكن الإخفاق في زيادة السقف يعني أن الحكومة ستفشل في سداد ديونها، بما في ذلك مدفوعات الفائدة على سندات الخزانة، مما يعني تخلف أميركا عن السداد.

أما بشأن ما يحدث حالياً بعد بلوغ سقف الدين، فوفقاً لوزيرة الخزانة، جانيت يلين، فإن وزارتها تتخذ إجراءات استثنائية قد تسمح للحكومة بسداد التزاماتها حتى يونيو، وبعد ذلك ستواجه الولايات المتحدة خطر التخلف عن سداد ديونها. والموعد أقرب من توقعات بعض المحللين بأن الحكومة ستستنفد سيولتها وقدرتها على الاقتراض، ما يطلق عليه «الموعد إكس»، في وقت ما من الربع الثالث أو الرابع.

ووفقاً لتقدير جوناثان كوهين رئيس استراتيجية التداول لدى «كريدي سويس» في نيويورك، فإن الموعد النهائي بين سبتمبر وأوائل نوفمبر، بينما وفقاً لتقديرات بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» فإن الوصول لسقف الدين قد يكون بين أغسطس وأكتوبر.

ويمكن لوزارة الخزانة استخدام النقد المتوافر لديها والتدابير الاستثنائية لتوليد السيولة. والحكومة كان لديها رصيد إغلاق بقيمة 321.5 مليار دولار في الحساب العام للخزانة في الثالث عشر من يناير.

وقالت يلين إن الخزانة تتوقع تعليق الاستثمارات الجديدة في صندوقي تقاعد حكوميين وتعليق إعادة الاستثمار في جزء من خطة ادخار لموظفين اتحاديين.

هل تعكس أسعار السندات مخاطر تخلف أميركي عن السداد؟

تشير أسعار بعض سندات الخزانة المستحقة في النصف الثاني من العام إلى علاوة في عوائدها قد تكون مرتبطة بمخاطر مرتفعة للتخلف عن السداد خلال تلك الفترة، وفقاً لبعض المحللين.

في غضون ذلك، بلغت تكلفة التأمين على الديون الأميركية ضد مخاطر التخلف عن السداد لخمس سنوات نحو 32 نقطة أساس الأسبوع الماضي وهو أكبر فارق منذ 2013.

ويقول «إريك ثيوريت» الخبير الاستراتيجي المعني بالاقتصاد الكلي العالمي لدى مانيولايف انفستمنت مانجمنت إن «منحنى الخزانة يضع في اعتبار التسعير قدراً ما من التشوه في الفترة الزمنية من الربع الثالث إلى الربع الرابع، ويتماشى ذلك مع استنفاد إجراءات وقف الفجوة التي يمكن للحكومة استخدامها لتقليل الأرصدة النقدية في الخزانة من أجل التمويل».

من جانبه، يتوقع أندرو هانتر كبير الاقتصاديين المعنيين بالولايات المتحدة لدى «كابيتال إيكونوميكس» أن ترتفع عوائد أذون وسندات الخزانة الأميركية المستحقة هذا الصيف في الأشهر المقبلة مع تزايد مخاطر التخلف عن السداد.

ماذا سيحدث إذا تخلفت أميركا عن سداد ديونها؟

والآن يحل السؤال الكبير ماذا سيحدث إذا تخلفت الولايات المتحدة عن السداد؟ بشكل مبدئي سيردد معظم الخبراء أن الولايات المتحدة لم تتخلف أبداً عن سداد ديونها، ومن المرجح بشدة أن تتخذ خطوات لتجنب ذلك هذه المرة. ونظراً لسمعتها الممتازة، تعتبر ديون الولايات المتحدة «أصولاً آمنة» خالية من المخاطر في الاقتصاد العالمي.

مع ذلك، يرى الخبراء أن ارتفاع مخاطر التخلف عن السداد قد يحث بعض المستثمرين على تحويل الأموال إلى الأسهم غير الأميركية وسندات الحكومات الأجنبية.

في عام 2011، أدى الجمود السياسي في واشنطن بشأن سقف الديون إلى عمليات بيع للأسهم وأدى وقوف الولايات المتحدة على شفا التخلف عن السداد إلى أن فقدت البلاد تصنيفها الائتماني عند (AAA) الممنوح لها من «ستاندرد آند بورز».

وقال «غولدمان ساكس» في مذكرة بحثية إن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» انخفض 15 في المئة خلال أزمة 2011 فيما تراجعت أسهم الشركات التي تنكشف مبيعاتها بشكل كبير على الإنفاق الاتحادي الأميركي بنسبة 25 في المئة.

يقول روس مايفيد محلل استراتيجيات الاستثمار لدى «بيرد برايفت ويلث مانجمت» في 2011، شهدنا الكثير من التقلبات في السوق. عانت الأسهم فعلياً عمليات بيع مع اقتراب الموعد، فيما تضررت أكثر الشركات المرتبطة بالحكومة. يبدو أن الأمر يتطلب حدوث تقلبات شديدة في السوق لإجبار السياسيين على الجلوس على طاولة المفاوضات».

في 2021، كشف تراجع الأسهم والاختلالات في تسعير أذون الخزانة قصيرة الأجل عن تصاعد المخاوف، حيث واجه الكونغرس اقتراب المواعيد النهائية لتمويل الحكومة ومعالجة مسألة سقف الدين.

ومن المحتمل أن يؤدي تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها فعلياً إلى موجات صدمة في الأسواق المالية العالمية، حيث سيفقد المستثمرون الثقة في قدرة الولايات المتحدة على سداد سنداتها، والتي يُنظر إليها على أنها من بين أكثر الاستثمارات أمانا في العالم وتعتبر بمثابة لبنة أساسية في بناء النظام المالي العالمي.

ويقول ديفيد كيلي كبير خبراء الاستراتيجية العالمية لدى «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات سلبية دائمة «بما في ذلك زيادة دائمة في تكلفة تمويل الديون الفيدرالية الأميركية».

تباين حول المسألة

في الوقت ذاته، يجادل خبراء بأنه من الصعب من الناحية الفنية القول، إن الولايات المتحدة تخلفت عن سداد ديونها لأنه حتى إذا حدث هذا فلن يكون نتيجة عجزها عن السداد فعلياً.

يفسر ذلك براد ماكميلان كبير مسؤولي الاستثمار لدى «كومنولث فاينانشيال نتورك» بقوله إنه «إذا تخلفت حكومة مثل الأرجنتين أو إيطاليا عن سداد ديونها، فسيكون ذلك بسبب عدم امتلاكها للمال في الصورة التي تدين به... إذا اقترضت إيطاليا بالدولار، فعليها السداد بالدولار».

لكن أي تخلف للولايات المتحدة عن سداد الدين سيكون ناتجاً عن قرار سياسي أكثر من كونه ضرورة اقتصادية، نظراً لأن الدين الأميركي بالدولار. ويقول ماكميلان: «يمكن سداده عن طريق طباعة المزيد من الدولارات».

لكن للأمر تبعات اقتصادية بشكل عام، فبعيداً عن تقلبات أسعار الأسهم، من المرجح أن يؤدي أي خفض للتصنيف الائتماني الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة على بقية أنواع الدين، مثل قروض الرهن العقاري وقروض السيارات، لوضع المخاطر الإضافية في الاعتبار.

في الوقت نفسه يقول بعض الخبراء إنه لا داعي للشعور بالقلق، إذ إنه تم رفع سقف الديون 25 مرة في السنوات الأربعين الماضية. وبينما أدت الأزمات السابقة لاضطراب السوق، إلا أن آثار ذلك لم تدم طويلاً.

ويقول ماكميلان: «لن يؤدي هذا إلى إلحاق ضرر كبير بالتصنيف الائتماني للولايات المتحدة بمرور الوقت، ولن تخرج أسواق الأسهم عن مسارها».

وأضاف «من المحتمل أن يتم التوصل إلى صفقة، وإذا لم يحدث ذلك، ثمة أمور يمكن القيام بها. وحتى إذا ذهبنا إلى التخلف عن السداد، فسيكون ذلك تقصيراً فنياً وسياسياً، وليس اقتصادياً».

لكن ذلك لم يكن لسان حال وزيرة الخزانة الأميركية، فقد صرحت يلين بأن التخلف عن السداد قد يتسبب في أزمة مالية عالمية. وأضافت أن ذلك سيقوض بكل تأكيد دور الدولار كعملة للاحتياطي تستخدم في المعاملات في جميع أنحاء العالم.

وأشارت إلى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى فقد الكثير من الأفراد وظائفهم وارتفاع تكاليف الاقتراض.

مشرعون أميركيون يعدون خطة لتجنب الأزمة

قال النائب الجمهوري الأميركي برايان فيتزباتريك، أمس الأول، إن مجموعة من الحزبين الجمهوري والديموقراطي تعد خطة لنزع فتيل أزمة تلوح في الأفق بشأن سقف ديون البلاد، عبر إجراء تعديل السقف من مبلغ ثابت إلى نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.

وأضاف فيتزباتريك، الرئيس المشارك للمجموعة المعنية بحل المشكلات المهمة المتعلقة بالسياسات، أن الاقتراح سيغير سقف الديون الاتحادي الحالي للحكومة، المحدد حالياً عند 31.4 تريليون دولار، إلى آخر يربط الدين بحصة من إجمالي الناتج المحلي.

وتابع فيتزباتريك، الذي ظهر على قناة «فوكس نيوز»، أمس الأول، مع الرئيس الديموقراطي المشارك للمجموعة جوش جوتهايمر، أن رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفين مكارثي سيتولى زمام المبادرة في المفاوضات مع البيت الأبيض بشأن سقف الديون، مضيفا: «سنقدم فقط... حلاً محتملاً لبناء الجسور».

وأشار إلى أن الاقتراح الذي يعمل عليه مع جوتهايمر سيفرض تخفيضات في ميزانية واشنطن إذا تجاوز الاقتراض الاتحادي حصة محددة من الناتج الاقتصادي، دون أن يحدد هذه الحصة.

وذكر الرئيس الديموقراطي جو بايدن الجمعة الماضي، أنه سيناقش ديون الولايات المتحدة مع مكارثي الذي قال إنه سيجتمع مع الرئيس لمناقشة زيادة «مسؤولة» لسقف الديون.

سوق السندات الأميركية يشتعل

إقبال كبير والعوائد تقلل من خطر التضخم

تتزايد المخاوف من تقليل سوق السندات لمخاطر التضخم إلى حد بعيد، إذ يرجع الانخفاض الحاد في العوائد خلال الشهرين الماضيين بشكل رئيسي إلى تراجع توقعات التضخم، وهذا يعني أن ما يسمى العائدات الحقيقية، المحمية من التضخم، انخفضت أقل من نظيراتها الاسمية.

ويعكس أداء السندات المتأخر تقلص الطلب على عمليات الحماية من ارتفاع الأسعار.

وأفاد تقرير لوكالة «بلومبرغ»، اطلعت عليه «العربية.نت»، بأن سوق السندات الأوسع نطاقاً أيضاً يشير إلى أن ذروة معدل سياسة الاحتياطي الفدرالي أقل من 5%، ستكون كافية للتسبب في ركود، مما يتطلب تخفيضات في أسعار الفائدة تصل إلى نصف نقطة خلال النصف الثاني من العام، فيما يجادل البعض بأنه لم يعد هناك هامش كبير للخطأ.

ويشير الطلب القوي على مزاد الأسبوع الماضي لسندات الخزانة المحمية من التضخم أجل 10 سنوات إلى أن المستثمرين باتوا مقتنعين بهذه الفكرة.

وقال كبير مديري المحفظة في NewEdge Wealth، بن إيمونز: «منذ شهور، كان الناس مقتنعين بأن التضخم وراءنا، ولذا كان هناك اندفاع كبير نحو السندات، وإذا تسببت إعادة فتح الصين في ارتفاع التضخم أو لم يتحقق الركود، فستكون هذه مشكلة».

وتكشف العائدات النسبية لسندات الخزانة الحقيقية والاسمية عن متوسط معدلات الزيادة المتوقعة لأسعار المستهلك على مدار أجل السندات.

فبالنسبة للسندات ذات العشر سنوات، وصلت إلى أدنى مستوى لها مسجل في العام الماضي هذا الأسبوع عند 2.09%.

كما انخفضت سندات 5 سنوات دون معدل التضخم إلى 2.13%، بما يعادل نقطة أساس من أدنى مستوى في العام الماضي.

من جانبه، قال مدير المحفظة في «Brandywine»، جاك ماكنتاير، إن «المادة السامة لأسواق السندات، هي التضخم»، مضيفاً: «توقعاتنا هي أن ذروة التضخم قد ولّت، ونعتقد أنه بحلول منتصف العام أو بعد ذلك سيكون هناك دليل على أن التضخم سينتهي».

وتابع ماكنتاير: «لا يزال هناك الكثير من عمليات التشديد النقدي من جانب «الفدرالي»، والتي ستضرب الاقتصاد في وقت يتباطأ فيه بالفعل، وفي هذه المرحلة لا أرى سبباً للتراجع عن السندات».

وقد ساعدت هذه الافتراضات في دفع أسعار سندات الخزانة إلى تسجيل عائد بنسبة 3.1% حتى الآن هذا الشهر، وهو انتعاش تاريخي من خسارة العام الماضي البالغة 12.5%.

وانخفضت العائدات عبر المنحنى الاسمي بقدر 44 نقطة أساس، بقيادة سندات أجل 5 سنوات، فيما كانت سندات آجال من 5 إلى 30 عاماً أقل من 3.8%.

بدورهم، أوصى محللو أسعار الفائدة في «TD Securities» هذا الأسبوع بالمراهنة على زيادة معدل تضخم التعادل لمدة عامين من حوالي 1.95% إلى 2.65%.

وقالت رئيسة استراتيجية معدلات الأسعار العالمية بشركة TD، بريا ميسرا، في مذكرة، إن «التقدم في معدلات التضخم يعكس بشكل أساسي أسعار السلع، في حين أن معدل نمو الخدمات بخلاف الإسكان من المرجح أن يكون ثابتاً وفي طريق التراجع».