هل تعلم أن جمهورية أرض الصومال حصلت عام 1960 على اعتراف أكثر من 30 دولة، من بينها فرنسا والصين ومصر وليبيا وباكستان، كما حصلت على رسالة تهنئة من واشنطن؟ وهل تعلم أن استقلال جمهورية أرض الصومال استمر 5 أيام، ثم أعلن عن اتحادها مع الصومال؟ بالتأكيد لا، لقد وضعت هذه المعلومات في خانة النسيان والتجاهل.

أكثر ما يلفت نظري في أخبار الصومال شيئان، الأول أنها محزنة، والثاني أنه يتم نسيانها سريعاً، الصومال بلد عربي عضو في جامعة الدول العربية، وموقعه الجغرافي مهم وحساس لقربه من مضيق باب المندب، وهو واحد من أهم الممرات المائية لناقلات النفط، لقد دخل ذلك البلد العربي في حرب أهلية طويلة وطاحنة، وتحولت أرضه إلى ملاذ للجماعات الإرهابية ووكر للقراصنة الذين هددواً سلامة الملاحة البحرية لزمن طويل.

مناسبة الحديث عن الصومال اليوم ليس اعتراف الكيان الصهيوني بجمهورية أرض الصومال، ولكن الطريقة التي يتم التعامل بها مع أخبارها، وأنا هنا مهتم كصحافي بإسناد كل الأخبار الهامة بخلفيات تاريخية تعزز فهم وتفسير أخبار الحاضر، وتطرح أيضاً أسئلة مستحقة، مثل: لماذا تم الاعتراف بأرض الصومال في الماضي بهذه السرعة والتنوع الدولي ومكانة الدول التي اعترفت بها؟ ولماذا توقف الاعتراف بها اليوم عند طرف واحد مكروه من محيطه؟

Ad

إن السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه هنا هو لماذا قررت أرض الصومال الانفصال والعودة لما كانت عليه عام 1960؟ لأن في ذلك درساً للدول التي توجد فيها أقليات أو مطالبات يتم تجاهلها حتى تصل إلى مرحلة التصادم والانفجار، من المهم بداية معرفة اختلاف الإدارة الاستعمارية، حيث كانت أرض الصومال محمية بريطانية، بينما كانت بقية الصومال (الجنوب) تحت الوصاية الإيطالية.

بعد إعلان الوحدة شعر سكان الشمال بتهميش سياسي واقتصادي، حيث تركزت السلطة والثروة في العاصمة الجنوبية مقديشو، بخلاف ما تم الاتفاق عليه بتوزيع الثروة بالتساوي، تطورت الأمور وشنت قوات نظام محمد سياد بري حملات عسكرية ضد إحدى القبائل الكبرى في أرض الصومال، وقصفت عاصمتها (هرجيسيا)، واستمرت تلك المعارك 10 سنوات، من 1981 حتى 1991، ورسخت تلك الحرب الشعور بأن الاستمرار في الوحدة أمر مستحيل.

بعد انهيار نظام سياد بري عام 1991، دخل الصومال في حرب أهلية وفراغ أمني. في المقابل، بادر زعماء الحركة الوطنية الصومالية (SNM) في الشمال إلى إعلان الاستقلال من جانب واحد في 18 مايو 1991، لضمان استقرار منطقتهم، وبسبب تلك الحالة من الفوضى وغياب الأمن، قادت واشنطن في أواخر أيام الرئيس بوش الأب، وبتفويض أممي، عملية «استعادة الأمل» لإنشاء منطقة محمية لضمان وصول المساعدات الإغاثية للمحتاجين، وبالمناسبة شارك الجيش الكويتي ضمن تلك الحملة الدولية الإنسانية.

طوال تلك الفترة المضطربة، تمكنت أرض الصومال من بناء مؤسسات دولة وتكوين جيش، ووضعت عملة خاصة بها، وجواز سفر، وأجرت عدة انتخابات ناجحة، وتداولاً سلمياً للسلطة، وهي اليوم تتمسك بحجتها للانفصال بالقول إن الاتحاد عام 1960 لم يتم توقيعه رسمياً كمعاهدة قانونية ملزمة، وبالتالي فإن انسحابها عام 1991 هو استعادة لسيادتها السابقة وليس انفصالاً غير قانوني.

في الختام، عندما نطالب بوحدة وسلامة الصومال - وهذا ما نرجوه - في توقيت أصبحت فيه مشاريع التقسيم والتفتيت لأكثر من بلد عربي واضحة وصريحة، علينا أن ننظر إلى الصورة كاملة مع منابعها التاريخية، حتى نعرف من أي باب ندخل، وأي حوار نفتحه، وأي نهاية ممكنة نستطيع الوصول إليها.