مع تصاعد تصريحات الرئيس الأميركي ترامب وتهديداته لإيران، لم نتماسك سخريتنا مما قاله الجمعة الماضية: «أقدّر كثيراً إلغاء القيادة الإيرانية لأكثر من ثمانمئة عملية إعدام كان يفترض أن تنفّذ أمس»، بعد قوله «لم يقنعني أحد بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، بل أقنعت نفسي»، ليعتقد المستمع البسيط أن وقف الإعدامات كان السبب وراءه إنسانية ترامب بوقف توجيه الضربة العسكرية، إنسانية لا ندري لماذا لم تعبأ بقتل اثني عشر ألف متظاهر، حسب تقارير المعارضة، بينما تشير الحكومة إلى ألفين؟! مما يؤكد أن قصف إيران من عدمه أو تأجيله هو قرار إسرائيلي في نهاية الأمر، التي ربما دفاعاتها غير جاهزة الآن لردّة فعل إيرانية، كما حدث عندما قصفتها في يونيو الماضي، إذا كانت هذه الحرب لن تسقط النظام! فمنذ تثبيت أميركا لحُكم الشاه في الأربعينيات لم تعبأ بمفهوم الإنسانية تجاه شعبه، كالإعدامات، ويصادف أحدها اليوم قبل سبعين عاماً لزعيم منظمة «فدائيو الإسلام» مجتبى صفوي وقياداته. 

عدم مبالاة أميركا لقتل الإيرانيين استمر مع نظام الملالي بآلاف الإعدامات، أشهرها نهاية الثمانينيات، كما استمرت كل أشكال السجن والتعذيب والقتل والإعدام لآلاف من المعارضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بسبب الفقر، كتلك التي حدثت في أعوام 2009 و2019 و2022، لتنتهي جميعها بعودة قبضة نظام المرشد على الشارع وتصنيفه للمعارضة بالخيانة والتآمر مع الغرب، وخصوصاً قتل وإعدام المعارضة البلوشية، وأشهرهم عبدالملك ريغي. 

لقد كتبنا أكثر من سبعين مقالاً عن طهران طوال العقدين الماضيين، وذكرنا فيها إيران أكثر من 1000 مرة، وأشرنا إلى ما أكده أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جون هوبكينز من خطورة تحالف إيران والدول العظمى، كما تحدثنا عن كتاب تريتا بارسي «التحالف الغادر» للتعاملات السريَّة بين إسرائيل وإيران وأميركا، المسخرة أن طهران سمَّتها حينها «الشيطان الأكبر»، وقد قلنا إن هذه السرية توقفت بعد «فضيحة إيران - كونترا»، التي موّل فيها رونالد ريغان معارضة الكونترا ضد نظام نيكاراغوا من حصيلة بيع أسلحة لطهران في حربها مع العراق، نقلتها له إسرائيل. 

Ad

إن تحالفات الغدر لم تعد سريّة بعد ذلك، فقد أسقطوا علناً لبنان والعراق ودمشق واليمن بيد إيران وفرعها في الضاحية الجنوبية، كما ساعدتهم إيران في إسقاط نظام «طالبان» بأفغانستان الذي عاد أخيراً، وكادوا يسقطون البحرين لولا فضل المولى عز وجلّ، ثم «درع الجزيرة»، أما نحن فلم نسلم أيضاً من تفجيرات إيران بالثمانينيات وزعزعتها لأمن الكويت، وكان آخرها «خلية العبدلي».

لقد أحكم تحالف الغدر قبضة إسرائيل على غزة باستدراج إيران لـ «حماس» وتمويلها حتى بلعت الطُّعم، فقتلت رئيسها إسماعيل هنية في طهران، وأدخلتها حرب 7 أكتوبر لتسحق غزة، فقدمت خدمة «ديلوكس» لأميركا وإسرائيل حصلت في المقابل، ومباشرة، على رفع الحظر عن أموالها بأميركا.

ولعله من الواضح الآن أن إسرائيل تقود السياسة والآلة العسكرية الأميركية لإنشاء تحالف آخر بالمنطقة بدا واضحاً في حربها لاثني عشر يوماً في منتصف يونيو الماضي على إيران لتدمير محطاتها وقدرتها النووية، وقصفها قطر وتوغّلها في سورية ولبنان، وأخيراً التحالف مع صوماليلاند، ومجدداً تحالفها مع نجل الشاه رضا بهلوي، الذي تعهّد بالاعتراف بإسرائيل فور حكمه لإيران بإسقاط نظام المرشد، الذي إذا تحقق بالقصف الأميركي - الإسرائيلي دون قدرة الشعب على إسقاطه، فسيسبب فوضى وحرباً في حوض الخليج العربي تمسّ أمن واقتصادات دول مجلس التعاون، فضلاً عن امتداد إسرائيلي بالخليج يتحول فيه «تحالف الغدر» إلى تحالف آخر قذر!

*** 

إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.