سمعتها عبارةً لافتة من د. إبراهيم الخليفي: «نحن في زمن الدوبامين»، فبدت لي أقرب إلى تشخيص نفسي -قيمي لعصرٍ كامل، لا مجرد توصيف علمي لناقل عصبي. الدوبامين، في علم النفس العصبي، ليس هرمون السعادة كما يُتداول، بل هرمون التوقّع والدافع، هو الذي يدفع الإنسان إلى السعي قبل أن يذوق المتعة. المشكلة لا تبدأ حين نفرح أو نستمتع، بل حين يصبح هذا السعي اللحظي هو القائد الخفي لسلوكنا اليومي.
من منظور نفسي، الإفراط في التحفيز الدوباميني يُربك النظام العصبي، فيضعف الصبر، ويقصر مدى التركيز، ويجعل الإنسان أسيراً للنتائج السريعة. ولهذا نرى اليوم مللاً سريعاً، وتشتتاً دائماً، ونفوراً من أي جهد طويل لا يمنح مكافأة فورية. العقل لم يعد يطيق الانتظار، والنفس لم تعد تتقن الصبر.
أما من منظور قيمي فالأخطر أن تتحوّل المتعة من وسيلة راحة إلى مرجعية قرار. حين تُدار العلاقات بمنطق الإحساس اللحظي، ينهار البناء عند أول اختبار. وحين يُقاس العمل بمدى «الإشباع الآن»، يُهجر الإتقان، ويضيع معنى الالتزام. وحين تُختصر القناعات بما هو شائع وسريع الانتشار، تضعف البصيرة، ويعلو صوت القطيع. القيم بطبيعتها لا تُبنى على الدفعات السريعة، بل على التكرار والمواظبة. الصدق، والأمانة، والمسؤولية، والصبر... كلها قيم تحتاج زمناً لتترسخ، ولا تمنح صاحبها نشوة فورية. ولهذا تبدو ثقيلة في زمن الدوبامين، لأنها لا تُكافئ فوراً، لكنها تحفظ الإنسان على المدى البعيد.
وهنا تأتي المفارقة: ما يُرهق النفس اليوم ليس كثرة الواجبات، بل غياب المعنى. فالإنسان قادر على الاحتمال إذا فهم لماذا يصبر، لكنه ينهك حين يطارد متعاً متتابعة لا تُشبع، فيقع في دائرة طلبٍ لا تنتهي. والنجاة من هذا الإرهاق النفسي والقيمي لا تكون بحرمان النفس ولا بعداوة المتعة، بل بإعادة التوازن. أن نتعلم تأجيل اللذة لا إنكارها، وأن نعيد الاعتبار للمسار لا للقفزة، وللعمق لا للسطح. أن نمنح عقولنا لحظات هدوء بلا شاشة، ونفوسنا أعمالاً تُنجز بصبر، وقلوبنا قيماً لا تُقاس بعدد الإعجابات. في زمن السرعة، تظل القاعدة ثابتة نفسياً وقيمياً: ما يُبنى ببطء، هو وحده ما يبقى. دمتم بود